يعود أصل كلمة العدمية (Nihilism) إلى الكلمة اللاتينية (Nihil) التي تعني (العدم)، وهي فلسفة يرجع ظهورها في القرن التاسع عشر إلى عهد القيصر الروسي ألكسندر الثاني، وترتبط بالنزعة الارتيابية (الشَّكِّية) المتطرفة في الأخلاق والمعرفة. والعدمية هي الاعتقاد الذي بموجبه تكون القيم جميعها بلا أساس تقوم عليه، ويقضي باستحالة معرفة أي شيء أو نقل هذه المعرفة. عادة ما يُصاحب الفلسفة العدمية تشاؤم مفرط، إضافةً إلى أنه ليس للإنسان العدمي أية ولاءات أو أهداف .

يمكن فهم العدمية من وجهات نظر عديدة ومختلفة؛ فالعدمية المعرفية (Epistemological Nihilism) ترتبط بالارتيابية المتطرفة التي تنفي إمكانية المعرفة وبلوغ الحقيقة. أما العدمية السياسية (Political Nihilism) فمرتبطة بالاعتقاد القاضي بضرورة تدمير النظم السياسية والاجتماعية والدينية بوصفها مطلبًا أساسيًّا يسبق أي تطوير أو تحسين مستقبلي. أما العدمية الأخلاقية (Ethical/ Moral Nihilism) فترفض إمكانية وجود أي قيم أخلاقية مطلقة؛ بل تعدُّها نتاجًا للضغوط الاجتماعية والعاطفية.

وأخيرًا؛ تعدُّ العدمية الوجودية (Existential Nihilism) أن الحياة تخلو من المعنى والقيمة وهي أكثر المعاني شيوعًا عن العدمية .

اشتهر مصطلح العدمية في القرن التاسع عشر على يد الروائي الروسي إيفان تورغينيف في روايته الشهيرة (الآباء والبنون) التي نُشرت عام (1862)؛ إذ كان بازاروف بطل الرواية شخصيةً عدمية. ارتبطت العدمية في روسيا بالحركة الثورية التي ترفض سلطة الدولة والكنيسة والعائلة، وتُطالب بتنظيم اجتماعي قائم على العقلانية والمادية بوصفهما مصادرَ للمعرفة، وينشد الحرية الفردية بكونها هدفًا أسمى، وهكذا رفضت الجوهر الروحي للبشر لصالح الجوهر المادي، وعَدَّت الإلهَ والسلطات الدينية نواقض للحرية. لكن اكتسبت العدمية الروسية سمعةً سيئةً في سبعينيات القرن التاسع عشر؛ إذ أخذت هذه الحركة في الانحدار حتى أصبحت مرادفة للتخريب والتدمير والفوضوية، وعُدَّ الشخص العدمي أنَّه أي شخص يكون عضوًا في جماعة سرية تمارس الإرهاب والقتل .

وفي الفترة ذاتها تقريبًا من القرن التاسع عشر؛ ارتبطت العدمية بالفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه الذي لا يرى فقط أنه ليس هناك (حقيقة) بمعنى مطابقة أي شيء نفكر فيه أو نقوله مع (الواقع)؛ بل يرى أنه ليس هناك (عالم واقعي حقيقي)، وبذلك ليست هناك (معرفة) متصوَّرة وفقًا لهذه الحقيقة والواقع؛ وأنّه ليست هناك معرفة إطلاقًا -حتى بأنفسنا أو بالعالم الذي نُشكِّل جزءًا منه- يمكن وصفها بأنها مطلقة ويقينية .

وعلى الرغم من وصف نيتشه المتكرر بالعدمي؛ إلا أنه أراد في واقع الأمر مجابهة العدمية والتغلب عليها، إذ توقَّع سوادها بعد انهيار الأساليب الدينية والميتافيزيقية التقليدية في التأويل والتقويم والتخلي عنها. وفي حين ظلَّ شديد الانتقاد لهذه الأساليب؛ فقد حاول أيضًا تجسيد صور للحقيقة والمعرفة يمكن أن يستلهَم منها .

وفي القرن العشرين؛ ارتبطت العدمية بالاعتقاد بأن الحياة لا معنى لها ولا هدف، ومن ثمَّ فإن الوجود بحد ذاته بلا معنى بما يحتويه من أفعال ومعاناة ومشاعر. وقد أدى ازدهار الحركة الوجودية الملحدة في فرنسا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن نفسه إلى رواج العدمية الوجودية (Existential Nihilism) في الوعي الشعبي. تأسست الوجودية الملحدة على فكرة أسبقية الوجود على الماهية، وبذلك فهي تستبعد وجود ماهية أو أساس جوهري للطبيعة البشرية بذاته منذ البداية. والعدم عند الوجوديين هو مصدر الحرية المطلقة ومصدر الرعب الوجودي والألم العاطفي، لأن العدم يُظهر كلَّ فرد على أنه كائن منعزل زُجَّ به في كون غريب ولا مُبالٍ، ولا يمكنه معرفة السبب الذي يجعله مطالَبًا بإيجاد المعنى لحياته فيه، وأن العيش في ظل حياة تخلو من المعنى هو أمر مستحيل أيضًا. أخذ ألبير كامو (Albert Camus) في كتابه (أسطورة سيزيف 1942) محنةَ سيزيف استعارةً لهذه المعضلة وهو الذي حُكم عليه بصراع أبدي عبثي، غير أنَّ كامو كان مقتنعًا أن العدمية هي أصعب مشكلات القرن العشرين، وناقش في رواية (الغريب 1942) إمكانية أن يتحمَّل البشر نواتجها؛ وذلك عندما أدرك بطل الرواية أن الحياة في حدِّ ذاتها هي سببٌ كافٍ للعيش. وفي رواية (الطاعون 1947) يُظهر كامو عبثية تأدية المرء أفضل ما لديه في عالم بلا معنى .

رأى آخرون -مثل دونالد كروسبي (Donlad Crosby)- أن العدمية برزت نتيجة الانفتاح الفكري الصادق؛ فعندما يمتد البحث الفكري ليطال الأسس الأخلاقية والأعراف الاجتماعية، فإن النتيجة ستكون تدمير الحضارة. ويقدم ميشيل نوفاك (Michael Novak) حلولًا للعدمية عبر التركيز على نواتجها الإيجابية كالحرية الفردية والاستقلال والإمكانات الخلّاقة، ويقول أن السعي الذي بدأ منذ الحرب العالمية الثانية لبناء حضارة جديدة؛ هو دليل على رغبة الإنسانية في تخطي العدمية .