حَظِي المرض النفسي نظرة سلبية ووصمة على مَرِّ الأزمنة أكثر من أي مرض آخر؛ إذ يعاني المريض في كثير من الأحيان الاستبعادَ الاجتماعي الذي فُرض عليه إضافة إلى آثار مرضه المدمرة، وقد أخذت تلك النظرة أشكالًا عديدة ومنذ أزمنة بعيدة؛ فكان يُنظر للمرض النفسي  في العصور الوسطى على أنه عقاب من الله ويُلقى مرضاه في محرقة أو يُسجنوا مقيدين في أسِرَّتهم، وظلت تلك النظرة مستمرة حتى بلغت ذروتها في العصر النازي في ألمانيا فأُحرِق المئات من المرضى النفسيين!

واستمر ذلك حتى أتى العصر التنويري بنظرة مختلفة للمرض النفسي؛ إذ بُنيت دور رعاية لتقديم العلاج لهؤلاء المرضى، وتتسع رقعة آثار المرض النفسي على المريض لتشمل تعليمه وعرقلة إمكانية حصوله على وظيفة إضافة إلى صحته البدنية وعلاقاته الاجتماعية، فكل هذا يجعل المرضى يتباطئون في طلب المساعدة اللازمة لمرضهم على الرغم من توافر الاستراتيجيات العلاجية الفعالة للمرض النفسي.

ومعظم المرضى لديهم القابلية على التعافي على نحو كامل أو القابلية على التعايش مع مرضهم؛ وخصيصًا إذا حصلوا على الرعاية والمساعدة مبكرًا.

يُعدُّ المرض النفسي شائعًا فواحد من كل أربعة أشخاص مُعرَّض إلى أن يختبر في وقت ما من حياته مشكلات تتعلق بصحته العقلية.

ولسوء الحظ؛ فإنَّ تلك الاتجاهات والمعتقدات السلبية ما تزال شائعة تجاه الأفراد ذوي المرض النفسي فما زال الخوف منهم سائدًا.

من أين تشكلت تلك الوصمة؟

تعد الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي من المشكلات الاجتماعية المهمة، فيكاد لا يوجد مجتمع أو ثقافة يلقى فيها الأفراد المصابون بمرض نفسي المكانة والنظرة التي يحظى بها الأصحاء، ولاشك أن جهل الناس بتلك الفئة من الأمراض هو ما أدى إلى تشكل تلك الوصمة فهم يتصورون مرضى الاضطرابات العقلية أشخاصًا خطرين ولا يمكن التنبؤ بردود أفعالهم وهم المسؤلون عن مرضهم، وعلى الجانب الآخر فهؤلاء المرضى  معرضون دائمًا لخطر التعرِّض لهجوم أو إيذاء أنفسهم أكثر من إيذاء الآخرين، وتعد وسائل الإعلام أحد أبرز المساهمين في تعزيز تلك الصورة  السلبية عن المرض العقلي.

 مآل الوصمة

إنَّ ما تخلفه الوصمة بالمريض لا تقتصر فقط على مظاهر التمييز المجتمعي ناحيته، بل تتعدى ذلك لتصبح جزءًا منه، فتلك النظرة الموصومة جزء من نظرته لذاته ويُطلق عليها “وصمة الذات”؛ إذ يبدأ المريض النفسي بتصديق الأفكار السلبية المعروفة الشائعة عنه أنهم أشخاص خطرون وغير قابلين للتعافي ولا يستحقون العلاج، فتؤدي تلك الأفكار المرتبطة بوصمة الذات بالمريض إلى مجموعة من المشاعر مثل:

  1. الاحساس بالعار.
  2. تدني احترامهم لذاتهم.
  3. عدم القدرة على الالتزام بتحقيق أي هدف يضعونه لحياتهم.

وتكوِّن الوصمة الذاتية -أيضًا- لدى المريض فكرة مريضة ألا وهي “لماذا أحاول؟”  فيرى المريض أن مرضه سيلازمه مدى العمر وأنه غير قابل للتعافي والعيش على نحو طبيعي، فلماذا عليه أن يحاول؟ وربما يقوده الوضع إلى إنكار مرضه من الأصل.

وأشارت دراسات كثيرة إلى الدور المهم للثقافة والمعرفة والعلاقات الاجتماعية في التأثير في العلاقة بين الوصمة الموجودة عن المرض وسعي المريض للعلاج والرعاية.

هل يمكن محو تلك الوصمة؟

إنَّ الفكرة الأساسية لمحو الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي هي أن نكون على وعي أكثر بهؤلاء المرضى فى حياتنا؛ فحينها سنصبح على دراية أكثر بالمرض النفسي وستصبح الصورة المتكونة عن تلك الأمراض واقعية، فهو الأمر الذي يُساعد على تعديل أي صورة نمطية سلبية متكونة عنه، ويكون تقليل الوصمة وتمييزها عن طريق ثلاث وسائل: توفير المعلومات عن المرض النفسي – ورفض أي وصف سلبي عن المرض النفسي – والتواصل المباشر مع المرضى لفهم المرض وفهم أعراضه.

أخيرًا؛ على المريض أن يتعمد السعي لرفض النبذ وأن يهزم خوفه من التصنيف الذي يوجهه له المجتمع ويعترف بحاجته للعلاج، وألَّا يسمح لتلك الوصمة أن تسبب له الخجل من نفسه أو تشعره بالعار، وعلى الرغم من أنه قد يتردد في إخبار أي شخص بمرضه لكنه ينبغي أن يتحدث مع من يثق بهم سواء من الأهل أم الأصدقاء ليشعر بالدعم والتعاطف والتفهم الذي يحتاجه.