يغسلُ أحدهم يديه 6 مراتٍ كلَّ صباح، ويُحبُّ آخرُ أن يرى بيته نظيفًا طوال الوقت، تحتفظ امرأة بكلِّ ما تشتريه من أوراق وأقلام، وتتأكدُ أخرى من أنَّها قد أغلقت الباب عدة مرات عند خروجها من المنزل.

قد يعتقدُ البعض أنَّ فعلَ مثل هذه الأمور طبع ككلِّ الطباع والصفات، وأنَّ هذه الأفعال طبيعيَّة، ويؤكد آخرون على كونها إشاراتٍ للهوس أو الوَسواس؛ أيّ أنَّها مرض؛ ولكن ليست جميع الأفكار أو التصرفات هوسيَّةً، وليست جميعها أيضًا سعيًا إلى المثاليَّة.

حتمًا هناك فوارق مهمَّة واختلافات بينهما، فما هي؟

في البداية، وقبل تحديد هذه الفوارق؛ ينبغي لنا معرفة معنى ” الوسواس القهريِ ” والفرق بينه وبين “السعي إلى المثاليَّة” والتفكير بها جيدًا.

فاضطراب الوَسواس القهريِّ (OCD) نوع من اضطرابات القلق؛ إذ تتكوَّن لدى المريض أفكارٌ ومشاعرُ وأحاسيسُ وصورٌ ذهنيَّة مُكرَّرة وغير مرغوب فيها (وساوس) وينخرط في سلوك أو نشاط عقليٍّ ردًّا على تلك الأفكار أو الوساوس (سلوك قهريٌّ)

وتراودُ الجميعَ أفكارٌ غريبة عشوائيَّة تقتحم عقولهم، ومعظمهم قادرون على تجاهل هذه الأفكار وعدم الاستغراق فيها؛ لكنَّ الحالَ مختلفة مع المصابين بـ ” الوسواس القهريِ “؛ لأنَّ هذه الأفكار “تلتصق” بعقولهم ولا يستطيعون التخلص منها أو تجاهلها؛ فيعاني المصابون باضطراب الوَسواس القهريِّ من عوارضَ تظهر على شكل وَسواس أو سلوك قهريٍّ أو الاثنين معًا، وقد يظهر الوَسواس بعدة هيئات؛ مثل الخوف من الجراثيم أو أفكار عدائيَّة نحو النفس والآخرين أو التفكير بأشياءَ مُحرمةٍ وغير مقبولة في المجتمع كالجنس والدين والأذى العام؛ وأمَّا السلوك القهريُّ؛ يتجلَّى عادةً في هوس النظافة أو الترتيب والتحقق من إغلاق الأبواب.

والآن يجدُر بنا مقارنة العوارض السابقة بالمثاليَّة بغرض كشف الاختلافات والتشابهات بين الاثنين؛ فتُعدُّ المثاليَّة سمة إيجابيَّة في المجتمع تَزيد فرص نجاح الأشخاص، وتُعرَّف المثاليَّة بأنَّها الحاجة إلى الظهور بمظهر مثاليٍّ أو حتى الإيمان بإمكانية تحقيق المثاليَّة ومحاولة تحقيقها.

وأمَّا الجانب الخفيُّ المُظلم من المثاليَّة يتجلَّى في تسبُبها بأعراضَ؛ كالتوتر والقلق والاكتئاب، وجديرٌ بالذكرِ أنَّ المثاليَّة لا تشمل محاولة الشخص أن يُصبح الأفضل؛ وكذلك لا تشمل الرغبة في النموِّ والإنجاز على نحوٍ صحيّ،   ويظهر السعيُ إلى المثاليَّة في عدةِ أعراض؛ منها:

  1. عدم القدرة على الأعمال إن لم يستطع تنفيذها بكمال؛ فيرى المريض أنَّ المنتج النهائيَّ أهمُّ من عملية إنتاجه؛ وهذا قد يؤدِّي إلى إعاقة عملية التعلم.
  2. المماطلة في عمل شيءٍ ما لأهمَّية تنفيذه باتقان.
  3. أخذ وقت طويل للأعمال التي تتطلب وقتًا قصيرًا لإنجازها .

إذن؛ فإنَّ كلًا من الوسواس القهريِ والسعي إلى المثاليَّة يدفعان الفرد إلى تصرفات قد لا يرغب حقًا في فعلها؛ وذلك للوصول إلى الراحة وإيقاف شلال الأفكار غير المرغوب فيها عن الولوج إلى عقله؛ لكن يكمن الاختلاف في طريقة مُعالجة الفرد لهذه الأفكار والأفعال التي يفعلها ليحصل على بعض الراحة.3

وتتحول الأفكار الدخيلة إلى مشكلة بسرعة، وعِوضًا عن كونها أفكارًا يمكن تجاهلها؛ فقد تصبح هوسًا للمصاب بالوَسواس القهري الذي يُعدُّ مُخيفًا ومُرعبًا بالنسبة لهم إلى أن يقودَهم خوفهم هذا إلى مواجهة حاسمة مع هوسهم الذي يدفعم إلى تصرفات قد لا تكون منطقيَّة بالضرورة، وذلك للتخلص من هذه الأفكار؛ كغسل اليدين عدة مرات خوفًا من الجراثيم أو التأكد من كون الباب مغلقًا عدة مرات أو ترتيب الحاجيات والأغراض وفق نسق معين لا يمكن تغييره.3

وعلى الرَّغم من إدراك الفرد أنَّ هذه الأفكارَ مُفرطة وغير عقلانيَّة، وغالبًا ما يُعاني منها وحده بصمت؛ لكنَّه يؤمن بأنَّ الطريقة الوحيدة للتخلص منها هي الاستجابة لها؛ لكنَّ الراحةَ التي يحصل عليها مؤقتة، وتزول بعد فترة قصيرة من الوقت لتعاوده الأفكار بشدَّة أكبر؛ وإن استجاب لها عادت بغزارة أكثر ما يخلق دوامات لانهائيَّة من الوَسواس القهريِّ لدى المريض.

يعمل معظم الأفراد بجِدٍّ للنجاح، وإنَّ عملهم هذا لا يدل على كونهم مثاليين بالضرورة، ويكمن الفارق هنا في أنَّ المثاليين يؤمنون بأن لا قيمة لعملهم أو لتعبهم إلّا إذا كان تامًّا لا ينقصه شيء، وبدلًا من أن يفخروا بنتائج ما حققوه والشعور بالرضا؛ غالبًا ما يعمدون إلى مقارنة أعمالهم بأعمال من حولهم ومحاولة إيجاد أي شائبة في أعمالهم، وحتى إن استطاعوا تحقيق رغباتهم هذه؛ فقد لا يشعرون بالرضا مُعلِّلين ذلك بأنَّ المثاليين لا يحتاجون إلى جَهد أو تعب كبيرين لأجل تحقيق نتيجة ممتازة، ولذلك يتعزز لديهم شعورًا بعدم الرضا نحو النتائج التي حصلوا عليها مهما كانت؛ وإن كانت “مثالية”.2

إنَّ المفهومَين – الوسواس القهريِ والسعي للمثاليَّة – مختلفان عن بعضهما؛ فعلى الرَّغم من أنَّ كليهما يدفعان الفرد إلى فعل أمور متطرفة؛ لكن تختلف قدرة الفرد على التجاوب وهي الأساس الفارق بينهما؛ فالمثالية مفهوم بإمكانك التحكم فيه؛ أمَّا الوَسواس فهو غالبًا المتحكم في أفكارك.