لقد أصبحنا اليومَ  مُحاطين بفنون اتخاذ القرار، وكيفية صناعة قراراتنا، وعلى الرَّغم من هذا كلّه؛ ما زال لدينا تردد ومُماطلة، وهنا يمكن التعرُّف إلى  بعض الدراسات ونتائجها في تفسير الترددِ في اتخاذ القرارات (Indecision)، ويعدُّ الأهل والطريقة التي يتعاملوا بها معنا من أهّم الأسباب القويَّة المسؤولة عن التردد في كثيرٍ من قراراتنا سواء تعليميَّة أو مهنيَّة أو حتى مرتبطة باختيار شريك الحياة؛ إذ إنَّ العلاقة معهم وطرق تربيتهم  لهما أثرٌ كبيرٌ في سلوكياتنا؛ ففي النهاية نحنُ نِتاجٌ لبيت تربَّينا في ربوعه.

ويُمكن التأكد من كونك متردد أم لا -بكلِّ سهولة- عن طريق التّوقُف للحظات في العديد من المواقف التي تحتاج لقرارات وترى سلوكك حينها؛ فإذا تعاملت معها كأنَّها مواقفُ ضاغطة وحاولت البعد عنها وتناسيت الحسم في تلك المواقف؛  يمكنك التأكد من أنك مُماطل ومتردد في قراراتك؛ فقد يكون التردد في اتخاذ القرارات نتيجةَ سوء تكيُّف وميول معرفيَّة للتأخر في الأداء.

الوالدان هما البداية الحقيقة في تنشئة الأبناء؛ فهم من يسقي النبتة الخاصَّة بهم، وهنا تُعدُّ أساليب المعاملة الوالديَّة (الطرائق المختلفة من الانضباط في التنشئة والتعزيز والموافقة التي تُستَخدم لتربية الأبناء) من أهم الأسباب التي سنتطرق إليها في الحديث عن (لماذا تُوجد شخصية مترددة؟)؛ إذ توجد دراسة لكلٍّ من (1993,.Joseph,F.& Michael, O) تناولت مدى فهم عينة من الفتيات المراهقات وإدراكهنّ لمعرفة أثر سيطرة آبائهن في التردد والمُماطلة في اتخاذ القرار، وهنا لجأت الدراسة إلى مقياس سلطة الوالدين الذي أعدَّه “بيري”، والّذي قَسَّم فيه أساليب المعاملة الوالديَّة إلى ثلاثة أشكال : السلطويُّ القاهر- الرسميُّ الواثق – المتساهل المتسيّب، وهذه الأشكال كلّها لوصف العلاقات بين الأبوين وأبنائهم، وكيف يكون ناتج صفة الأبناء في اتخاذ قراراتهم في ضوء تلك الأشكال.

هل تساءلت يومًا ما – عزيزي القارئ – أيّ شكلٍ منها يُوضّح أسلوب تربيتك لابنك أو طريقة معاملة أبويك لك؟ يمكنك ذلك عندما نعرضها كالآتي:

النموذج السلطويّ (القهريّ): هو السيطرة التامة من الآباء على أبنائهم، والتي لا تتيح لهم أيَّة حرية أو مسؤولية.

النموذج الرسميّ الواثق: هم هؤلاء الآباء الذين يُنشئون أبناءهم على قدر كبير من الحب وتحمل المسؤولية، وكذلك نجد للحَزم مكان في هذه التربية مع الثقة بالنفس؛ إضافة إلى كثيرٍ من المرونة التي تناسب متطلبات النمو .

النموذج المتساهل: هو تدليل النشء وكسر كل القيود والقواعد وانهيارٌ لكل شيء، واللجوء إليه هو بداية النهاية للأبناء.

هذه النماذج  دُرسَت لمعرفة مدى كونها مُنتجة لأساليب التردد في اتخاذ القرار أم لا، وتوصلت دراسة (“جوزيف ،ميشيل، 1993) إلى توضيح عدّة أمور في العلاقة بين الوالدَين وفتياتهم في مرحلة المراهقة المتأخرة، وبيّنت سمات كلّ نموذج من أشكال المعاملة الوالديَّة ودوره في زرع سلوكِ التردد والمماطلة في اتخاذ القرار؛ فالمراهقة هي فترة الحكم الذاتيّ  والميل إلى اتخاذ القرارات والاستقلال ونموِّ القيم الاجتماعية الإيجابية، وهذا ما قدَّمه الوالدين لبناتهم من خلال استخدام نموذج التربية الرسميِّ الواثق والذي أعطى فيه الآباء درجة عالية من السيطرة والتشجيع لهنّ؛ فمَن نشأن في هذه البيئة؛ أصبحت عمليَّات التّردد والمماطلة لديهنَّ أقلَّ، وكُنَّ قادرات على اتخاذ القرارات والاعتماد على أنفسهن، وزاد عندهنّ حب الاستطلاع.

 ويبقى لدينا التعرُّف إلى أثر  كلا نموذجَي التساهل والتشدد في تربية  الفتيات؛ إذ ارتبطت السلطة الأبويَّة المتشددة  بميل الفتيات إلى التردد والمماطلة، ويكون التردد ردَّ فعل على طريقة الآباء المتسلّطة في التعامل معهنّ؛ فالمماطلة والتردد في اتخاذ القرار لدى الفتيات يرجع في الأساس إلى بيئة المنزل الّذي تَربَّين فيه،  وأمَّا عن النموذج المتساهل؛ فلم تتوصلِ الدراسةُ التي نحن بصددها إلى نتائجَ تتعلق بتأثير التربية المتساهلة للفتيات في التردد والمُماطلة في اتخاذ القرار بعد.

وكذلك توجد دراساتٌ تناولت أثر تلك الأساليب التربويَّة في التردد في كثيرٍ من القرارات؛ منها المُرتبط بالتَّعليم ومنها المُرتبط باختيار المهنة؛ وبالحديثِ عن  القرارات التعليميَّة؛ نجدُ دراسة طُبِقَت على الشباب في النرويج للتعرف إلى أثر الوالدين في تلك القرارات ومدى تدخلهم، وجاءت الدراسة لتبحث في فترة مُهمَّة من حياة الأبناء وهي بداية الشباب، وكيفيَّة الاستقلال والتحكم الذاتيِّ لديهم وكيفية صنع قراراتهم وخاصَّة التعليميَّة، وتناولت نوعين من الشباب: (شبابًا من سكان النرويج نفسها، وشبابًا من الوافدين إلى الدولة)؛ فكيف تُؤثِّر الخبرات الوالديَّة في قراراتهم التعليمية؟ وكيف يتقبلها الأبناء؟

يُهيَّأ الطلاب  في دولة النرويج لمعرفة كيفية اتخاذ القرارات المتعلقة بالمسارات التعليميَّة المختلفة عن طريق زيارات المدرسة وجلسات إرشاد فرديَّة، وتُوجد معارضُ تعليميَّةٌ تُقدِّم معلومات لهؤلاء الطلاب؛ فالسياسة العامَّة للدولة هي مساعدة الطلاب في الاختيار الصحيح والملائم لهم فيما يخص التخصصات  التعليميَّة، وتناولت الدّراسة صناعة القرارات التعليمية المختلفة في مختلف العائلات أيضًا، وأوضحت للطلاب أنَّ أساس التحكم في الذات هو الحرية في اتخاذ القرار، وهذا ما تعكسه الثقافة المتاحة لدى الأسرة، وأنَّ نقص الاهتمام من الوالدين باختيارات أبنائهم له أثر سلبيٌّ في اختياراتهم التعليميَّة، وتعاملت الدّراسة مع الطلاب في المدارس الخاصَّة ومدارس التربية الخاصَّة، وقُسِّمَ الطلاب وِفقًا للمستويات الثقافية والاجتماعية  لعائلاتهم، وقدَّموا مقياسًا للطلاب مُكوَّنًا من عبارات تصفُ الوالدين وأدوارهما في اختياراتهم التعليميَّة، وتوصلت الدراسة إلى أنَّ دعم الآباء بالطريقة المناسبة هو مصدرٌ قويٌّ لبناء قراراتٍ تعليميَّة جيدة.

  واحتلَّ التردد في القرارات المتعلّقة باختيار المهنة والكفاءة الذاتيَّة في اختيار المهن وعلاقة ذلك بأنماط المعاملة الوالديَّة كثيرًا من الدراسات؛ منها دراسةٌ لـ (2009,Suzanne Lease&DaidDahlbeck)، والّتي اهتمت بالتردد في اختيار المهنة وقوة التحكم الذاتيَّة في هذا الاختيار؛ فقارنت الدّراسة بين الذكور والإناث، واستخدمت مقاييس اختيار المهنة، وفيما يخصُّ أنماط المعاملة الوالديَّة والتردد في اختيار المهنة نجد أنَّ النموذج المُتسلط والقهريُّ من الوالدين يرتبط بالتردد، وكذلك قلة الكفاءة في اختيار المهنة، وأمَّا بالنسبة إلى العلاقة بين الأم وابنتها؛ نجد أن المساندة جيدة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمهنة، لكنَّ سيطرةَ الأبِ على ابنته تقلل من هذه الكفاءة؛ لذلك نموذج المعاملة الوالديَّة الواثق هو الأفضل، وقدمَّت الدراسُة توصيةً بإنشاء برامج إرشادية للآباء كي يُقدِّموا لأبنائهم التدريب المناسب لتطوير القدرة على الاختيار والكفاءة الذاتيَّة بدلًا من التردد والمُماطلة؛ إذ أنَّ زيادة الفهم والكفاءة في مثل هذه الأمور تزيد من فُرصِ النجاح في القرارات المهنية.  

في النهاية؛ – عزيزي القارئ – نستنتج أن للمعاملات الوالديَّة وأسلوب التربية الذي يتبعه الأهل الدّورَ الأهمَّ في التردد والمُماطلة الذين يظهران عند أبنائهم؛ لذا إن كنت والدًا فاحذر واختر الطريقة المناسبة لابنك، وإن كنت ابنًا؛ فتعلَّم كيف تبتعد عن تأثيرات سلبيَّة تجعلك مترددًا.