تتناول الكاتبة (إليف شافاق- Elif Shafak) حياة الفتاة التركية (بيري) أو (ناز بيري)؛ إذ تبدأ حكاية ( بنات حواء الثلاث ) في السيارة وهي عالقة في الازدحام المروري مع ابنتها المراهقة النزقة عندما كانت (بيري) مدعوةً هي وعائلتها إلى حفل عشاء لأسرة من الطبقة المخملية، وفي ذلك اليوم تعود إليها مصادفةً ذكريات الفترة التي قضتها في مدينة أكسفورد في أثناء دراستها الجامعية مع كل ما تحمله من حوادث بشعة وذكريات جميلة إذ تتنقَّل (شافاق) في فصول الرواية بين مجريات تلك السهرة في مدينة إسطنبول وبين سيل الذكريات المنحدر من مدينة أكسفورد قبل ستة عشر عامًا، وتطال طفولة (بيري) أيضًا، وهي الأخت الصغرى لشابين يكبرانها بعدة أعوام.

والآن في إسطنبول على مائدة العشاء، تحاول (بيري) أن تنخرط في الثرثرة، ولكنَّها تجد نفسها عاجزةً عن مجاراة أحاديث النساء اللواتي انسحبن سوية لشرب الشاي بدعوة من سيدة المنزل، فتنسل من بينهم لتشارك الرجال مجلسهم وتجلس قبالة زوجها لتنخرط معهم في نقاشاتهم عن السياسة وآخر المستجدات في محاولة منها للهروب من تلك الذكريات التي بدأت تطفو على السطح في تلك الليلة تحديدًا، ولكن؛ بعد إصرار سيدة المنزل مرة أخرى لجذب (بيري) إلى مجلسها مع باقي السيدات، فتستلم لرغبتها في الوقت ذاته الذي يصل فيه “العراف” الذي دُعِيَ مسبقًا إلى مجلس السيدات، وتحاول (بيري) ألا تقع في مصيدة تنجيمه ولكنَّها تفشل حين يحاصرها ويخبرها الحرف الأول من اسم الرجل الوحيد الذي أحبته، فتشعر وكأنَّ أحد أكثر أسرارها أهميةً قد كُشِف على الرغم من أنَّ اسم زوجها يبدأ بالحرف نفسه أيضًا، ولكنَّها تعرف بأنَّ ذلك العراف يرمي إلى أبعد من ذلك، فيضيق العالم بها لتنسحب مرة أخرى إلى الشرفة، وتنفرج سريرتها في استعادة ذكريات الماضي

وصداقات الجامعة مع (شيرين) المتمردة و(منى) المؤمنة أما (بيري) فكانت المتشككة؛ التي لم تستطع أن ترسو في ميناء بين الإلحاد والإيمان، وقد زاد الاختلاف الجذري بين صديقتي السكن من ضياعها، ولم تكن نقاشاتهن تفضي إلى أي مكان أو أية نتيجة، بل كانت تزيد الشقاق ما بين (شيرين) و(منى) إلى الحد الذي جعل الحياة معهما لا تُطاق، وما كان من ذلك الخلاف إلا أن يجعلها تشعر وكأنَّها ترى والديها أمامها؛ والدتها المتدينة ووالدها العلماني، فالكاتبة في هذا المنحى تضيء الشقاق الحاد في المجتمع التركي الذي يسيطر على مختلف طبقاته بين من ينادي بالليبرالية وإطلاق الحريات ومن طالب بالالتزام بتقاليد الأجداد وعاداتهم.

وكان هناك من جهة أخرى قصةٌ غامضة مع أستاذ الجامعة (آزور)؛ التي تحولت فيما بعد إلى فضيحة، وعادت بها الحال إلى النقاشات ذاتها بين (شيرين) و(منى)، ولكن؛ تحت إشراف الأستاذ (آزور) المتخصص في تدريس مادة “الرب”.. ذلك المفهوم الذي بقيت (بيري) حائرةً تجاهه، ولكنَّ البروفيسور (آزور) كان يعتمد منهجًا مختلفًا في تدريس مادته فهو ينتقي طلابه من بيئات ومرجعيات مختلفة ويطرح موضوعًا شائكًا، ويترك لهم حرية النقاش فيما بينهم؛ ممَّا جعل (بيري) فيما بعد تشعر وكأنَّه ينظر إلى طلابه بوصفهم فئران تجارب أمام أبحاثه وأفكاره، وذلك عندما يطرح موضوعًا شائكًا، و ينتظر ردود أفعالهم وتغير علاقاتهم فيما بينهم.

ومع ذلك البحث كله والدراسة الفلسفية والقراءة الكثيرة والاجتهاد ولكنَّ (بيري) اليوم امرأةٌ متزوجة لرجل لا يشبهها وأمٌّ لثلاثة أطفال.. فما الذي حدث؟ ولماذا انقطعت علاقتها مع صديقات الدراسة؟

وتضيء الكاتبة في رواية ( بنات حواء الثلاث ) على عدة مواضيع جانبية لعائلة (بيري) عندما تتطرق إلى فترة طفولتها؛ كالاعتقال السياسي، والزواج التقليدي، وتقديس عذرية المرأة في المجتمعات المتدينة.

إنَّ (شافاق) تتمتَّع بأسلوب سردي هادئ وممتع دون أية مماطلة مُتعمدةٍ ودون إغفال شيء من الغموض والتشويق، وأكثر ما يميزها تطرُّقها إلى مواضيع شائكة وحساسة، ولكنَّها في هذا العمل الروائي لم تكن بمستوى مؤلفاتها السابقة، وذلك عندما ختمت روايتها بتوجيه رسالة واضحة شديدة الكراهية إلى جموع اللاجئين الذين تدفقوا إلى أوروبا في السنوات الأخيرة، وذلك على لسان أحد بروفسورات جامعة أكسفورد عند إلقائه خطابًا على إحدى منصات الجامعة عام 2016 يصرح فيه تصريحًا واضحًا عن امتعاضه للتغيير الديموغرافي الذي يطرأ على القارة العجوز “أوروبا هي الوطن، والمسلمون غرباء، وإنَّ الطفل البالغ من العمر خمسة أعوام يعلم بأنَّ المرء لا يدعو الغرباء إلى بيته، وإنَّ كل فرد في هذا العالم ينظر بعين الحسد إلى ثروة الغرب، ولا مناص من حمايتها من الغرباء ومن الخونة المتظاهرين بالصداقة في الداخل، والذين لا يرون في إذابة ثقافة ما، وإفساد عرق من الأعراق، وتدنيس تراث، ماهو خطأ، خطأ، خطأ”.