يُعدُّ الكاتب (حنا مينه) صاحب رواية ( الشمس في يوم غائم ) من أهم الكتَّاب السوريين، وقد وُلِد في اللاذقية عام 1924، وكان له مساهمةٌ واضحة في تأسيس اتحاد كتَّاب العرب، وعمل في الإذاعة كاتبًا للمسلسلات الإذاعية ثم انتقل إلى كتابة المقالات والقصص القصيرة ونشرها في الصحف، وأصبح له ما يزيد عن 30 رواية طويلة تنتمي إلى الأدب الواقعي لاحقًا.

وكان للكاتب (مينه) ملهمةٌ واحدةٌ يستقي منها ملامح رواياته في معظمها، وكانت تُشكل منارةً لأحداث كتبه وشخوصها وهي (مدينة اللاذقية) ببحرها وشواطئها وطبيعتها التي امتد تأثيرها إلى نفس (مينه) ومنها إلى رواياته وشخصياته.

وتُعدُّ رواية ( الشمس في يوم غائم ) من أولى رواياته المُستقاة من الساحل حيث وُلِد وترعرع، ويحكي فيها على لسان البطل الشاب البالغ من العمر ثمانية عشر عامًا تخبطه أمام خيارات العالم المفتوحة كأي شاب في هذا العمر؛ فعلى سبيل المثال اختار هذا الشاب سابقًا العزف على الكمان في البداية، ولكنَّ ذلك لم يلقَ الحظ الجيِّد ولا الأذن الموسيقية بحسب مُدرِّس الموسيقا، فأخذ ينتقل من آلة إلى أخرى دون جدوى حقيقية.

ولكونه ينتمي إلى أسرة غنية وذات سلطة، فكان لعدم مثابرته والتزامه ولطبعه الثوري المتجدد صدىً غير مرغوب لدى عائلته. 

ولم تكن الآلات وحدها ما مرَّ عليها الواحدة تلو الأخرى، وإنَّما المعلمين أيضًا، فمن معلم الموسيقا الإيطالي مرورًا بالحلاق الذي ادَّعى أنَّ الإيطالي “آكل المعكرونة” محتالٌ ولا يفقه في الموسيقا شيئًا، انتهاءً بالخيَّاط الذي فهم مشكلة الشاب بصورة تامة استمرت طيلة رحلته في تعلُّم الموسيقا. وحده الخياط استطاع استيعاب طبع الشاب النزق في التعلُّم، إضافةً إلى أنه لم يكن ما يجمعهما درسًا بالمفهوم العام، وإنَّما حديثًا إذا زارهم الملل ووقعًا بالأقدام إذا استبدَّ بهم الحماس ورقصًا بالخنجر بوصفه استعراضًا أخَّاذًا أمام الجيران والتلاميذ الآخرين للخيَّاط.

“أنت ماهر في الرقص يا ولدي، وجسمك رشيق مطواع، وفي داخلك شيء يريد أن يخرج، كأنه النقمة أو الغضب، مع أنك لا تشكو شيئًا، وعائلتك غنية، وكل ما تريده موفور، ولست على خلاف مع أهلك”.

وهكذا يبدأ الأمر، كرغبة في تعلم رقص الخنجر تلتقي موهبةً متأصلة في جسد الشاب، وكان الخيَّاط قد أخبر الشاب بقصة حدثت منذ آلاف السنين في معبد يحتوي على  صورة وفتى عَشِق هذه الصورة في إحدى صلواته لأمه المريضة، فأعادته رغبةٌ برؤية الصورة ليلًا إلى المعبد، وعلى ضوء السراج سمع نغمًا مميزًا، وراح يرقص ويدور أمام الصورة، فاستحالت امرأةً حقيقية خرجت منها للتو. ورمى الفتى نفسه عليها محاولًا إمساكها وتقبيلها فاصطدم بالجدار وانقطع اللحن ولم يبقَ سوى الفتى وسراجه في ساحة المعبد، ولكنَّه لم يصدق أنَّ ما رآه كان وهمًا، وإنَّما أخذ بالرقص والدوران أمام الصورة المنقوشة على الجدار وأقام في المعبد، وقيل إنَّه جُنَّ فقيَّدوه بالسلاسل، ثم مات وحلَّت روحه في أبدان الراقصين من جيل إلى جيل.

وقد تبدو هذه القصة إحدى الأساطير، ولكنَّ ما اختبره الشاب أثبت العكس، ففي إحدى المرات بدأ بالرقص واستهلَّ الرقصةَ بالدق برجله اليسرى والدوران في الغرفة والجمهور أمامه يصفق بشدة، وإذ بابتسامة ساحرة تُحييه فحياها برقصته المفعمة بالحياة، ومن ثم فإنَّ الابتسامة انتمت لوجه وجسد حيَّين أمامه ما إن انتهى من الرقصة بإيقاعها الأخير الحماسي حتى اختفى، ليصبح محمومًا بروح الراقص الأول أمام امرأة الوهم.

“أن نعزف أو نغني أو نرقص للاشيء، فهذا زيف..لا بد أن يكون ثمة شيء، إنسان ما، فكرة ما، وعندئذ يكون للعزف أو الغناء أو الرقص معنى. أن نعيش للاشيء، هكذا لأجل العيش، لأجل تمضية الأيام، فهذا هو الموت”.

ولكنَّ (مينه) لم يقدِّم قصةً رومانسية في روايته وحسب، وإنَّما قدَّم قصة ثورة؛ ثورة الشاب على عائلته ذات السلطة في السراي، وصهره رئيس القلم، ورقصة التانغو وكأنه برقصة الخنجر تحت يد الخيَّاط يمارس حريته بحركاته السريعة راسمًا دوائر من نار في الهواء في مواجهة قيود عائلته وصورة جده المعلَّقة في الصالة، وكما لطريق الثورة شوكٌ قد يدمي أرجل الثوَّار، فللحب طريقٌ وعر لا نجاة لجميع من يخوضه أيضًا. 

وتظهر امرأة من خلف أبواب القبو تحت منزل الخيَّاط يلفُّها الغموض ويثير فضول الشاب الذي يجد منفذًا للوصول إليها ومعرفة عملها وظروف حياتها ومن ثم علاقتها بعائلته وبوالده تحديدًا.

وبعدها يجد الشاب نفسه أمام حبِّه للمرأة الوهم ورغبته في المرأة التي تسكن القبو وتعاطفه مع ابنة عمه المغرمة به، وفي مواجهة والده بعد منعه من الذهاب إلى جانب المدينة الفقير.

“ولكني أنا  لم أقتل، والدي قتل، وذلك الوكيل قتل، والذين على الطرف الآخر، في القلاع، قتلوا، وبينهم وبين الذين هنا غور فيه دم. أنا اجتزت غور الدم، رقصت بالخنجر عند الخيَّاط”.

ونلاحظ أنَّ اسم للشخصيات، فهناك الشاب والخيَّاط وضابط الإيقاع وأخت الشاب وخطيبها وغيرهم، وكأنَّهم شموسٌ غائبة خلف الضباب، ووحدها ملامحهم الجامحة وتواصلهم الملحمي ما يعطي الرواية شكلها ومضمونها.

“يا شمسنا الموعودة، يا شمسنا الموعودة، متى تشرقين إذن؟ وهذا الغيم، وهذا الضباب، رمل الصحراء الذي ارتفع مع إعصار الزمن، متى يغسله المطر؟ متى تحدث العاصفة ويغسلنا المطر؟”