تدور أحداث رواية ( الكهف ) للكاتب جوزيه ساراماغو (José Saramago 1922-2010) في مكان وزمان غير محددين، ويعتمد المؤلِّف على ثلاث شخصيات رئيسة فحسب: (سيبريانو ألجور) وابنته (مارتا) وزوجها (مرسيال جاتشو). 

وتعمل عائلة (ألجور) على مدى ثلاثة أجيال في مهنة الخزافة بدايةً من إعداد عجينة الصلصال ثم تحويلها إلى أشكال متعددة، ومن ثم مرحلة شيِّها في الفرن وتجفيفها، وانتهاءً بتلوينها.

وتبدأ الأحداث مع انطلاق شاحنة من القرية باتجاه مركزٍ يشتري سلع الخزافة، وكان يقودها السيد (سيبريانو ألجور) في طريقه إلى تسليم طلبيات المركز من الأواني المُعدَّة من الخزف، وإلى جانبه صهره (مرسيال) الذي يعمل حارسًا على نحوٍ مؤقَّت في ذلك المركز، بالإضافة إلى أنَّ (مرسيال) يطمح إلى أن يُرقَّى، فيصبح عمله دائمًا؛ ممَّا يؤهله للحصول على منزل في المركز وحياة مستقرة، ولكنَّ ما حدث ذلك اليوم في المركز التجاري لم يكن بالحسبان، فمسؤولو المركز لم يقبلوا استلام سوى نصف الكمية التي كان يحملها السيد (ألجور)، وأُخبِر باحتمال الاستغناء عن خدماته نهائيًّا قريبًا، وكانت الحجة أنَّ ما يُنتجه من سلع لم يعد مرغوبًا به لدى الزبائن في هذا الوقت، وفي المرة التي تلتها كانت الكلمة الفصل عندما تُخلِّي عنه رسميًّا.

وهنا تعترض الأرملة اللطيفة (إساورا مادروغا) طريق (سيبريانو ألجور) وهو في حالةٍ يائسة محاولةً أن تدخل حياته كنسمة بحر منعشة وكأنَّ شرارة بينهما قد بدأت تشتعل، ولكنَّ (سيبريانو) كان يصر بأنَّه لا يشعر بشيء تجاهها، وفي الفترة ذاتها يظهر الكلب (لقية) الذي لم يلبث حتى صار فردًا رابعًا في العائلة. 

وفي هذا السياق الزمني نفسه، تتبلور علاقة ودٍّ بين (مارتا) -وهي ابنة ألجور- ووالدها تبلورًا جليًّا، وخاصةً بعد وقوع تلك المصيبة على رأسهم؛ إذ حاولت (مارتا) أن تخفِّف عن والدها عن طريق التفكير ببدائل أخرى لا تكون بعيدةً عن الصلصال والتشكيل وحياته القديمة؛ لأنَّه لا يتقن سوى هذه المهنة، ولا يمكن أن يتعلم مهنة جديدة وهو قد بلغ الرابعة والستين. وهكذا صار (ألجور) هائمًا على وجهه بين حلٍّ اقترحته ابنته بأن ينتظر قبول مسؤولي المركز ممَّا يتيح له أن يستمر في ممارسة الحياة الطبيعية في منزله الريفي أمام شجرة التوت والمشغل والمقعد الحجري والمساحات الخضراء، وبين قرار المركز الأخير الذي دفعه تجاه شعورٍ دائم من البؤس والضيق.

وهكذا، دفع (ساراماغو) شخصيات روايته لتجسِّد أسلوبًا ثوريًّا لمحاولة كسر قيود كهف أفلاطون الذي تُمثِّله حياة المدن، ودفع شخصياته إلى محاولة هروبٍ غير محدَّد الوجهة، فالمهم هو الهروب من حياة لا تشبه حياة أي إنسان يتطلع إلى الحرية والانسجام في أحضان الطبيعة؛ فلا يكون أسيرَ ما تقدمه شاشات التلفزة وما تعرضه المحال التجارية التي تجبره أن يشتري ما تعرضه دون أن يمتلك خيارًا آخر، وأن يقبل بعزلته عمَّا حوله ضمن المحاكاة التي صُنعَت بداخله، وهذا ما يحرمه من مجريات الحياة الطبيعية ومن أشعة الشمس ولفحات الهواء عند الغروب، ويحرمه من تقلبات الطقس من أمطار و رياح، فهو من جهة أخرى أشبه بسجن كبير أو بكهف.

وما يميز رواية ( الكهف ) هو الأسلوبُ المتفرد الذي يقدِّمه الروائي (ساراماغو) الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1998؛ إذ يعرض لنا شخصيات الرواية عرضًا مبسَّطًا في البداية، وسرعان ما يتعمَّق في كل شخصيةٍ مُفككًا ومُحللًا وجودها وأسلوبها وردود أفعالها في المواقف على اختلافها، ولا يقتصر هذا التحليل الذي شرَع به (ساراماغو) على البشر فحسب، بل إنَّ الكلب (لقية) كان له نصيبٌ في هذا التعمُّق، ويتجاوز ذلك بذكاء ليوجه الخطاب إلى القارئ توجيهًا مباشرًا، حين يشرح له الأسباب التي تدفع أي شخص في موقف ما للتصرف بهذه الطريقة أو تلك، ويطرح عدَّة أمثلة خارج سياق الرواية ليضمن فهم القارئ ويوصله إلى النقطة التي يبتغيها.

وقد يظن قارئ رواية ( الكهف ) عندما يسهب (ساراماغو) في توضيح فكرة ما بأنَّه ضل الطريق، ولكنَّه -وبالأسلوب ذاته- يعود مرةً أخرى بسلاسة لافتة وبقوة إلى صلب الموضوع بطريقة بارعة من المؤلِّف، ويُشدِّد (ساراماغو) على ذكر كثير من التفاصيل الحسية والمادية وإنْ سبَّبَ هذا بعض الملل وانحسار عامل التشويق عند القرَّاء، فلا يطول الأمر حتى تطغى الصورة الكاملة على هذا الملل ليكون دافعًا إلى معرفة المزيد والغرق في التفاصيل أكثر.

وتتسم هذه الرواية بسرد بطيء للأحداث على خلاف أبرز أعمال الكاتب؛ مثل (رواية العمى ( فما يطرحه (ساراماغو) في هذا العمل الروائي هو سرد التفاعل مع أحداث الرواية والمصائب التي تقع على عائلة (ألجور) سردًا مفصَّلًا إلى حدٍّ ما، ويتأنَّى في الطرح تأنيًا لافتًا ودقيقًا، ولكنَّ ما يدفع القارئ إلى أن يُكمل رحلته هو الانسجام مع هذه التفاصيل التي تجسِّد الهدوء الذي يسبق العاصفة المتخفِّية في النهاية. (