يُعدُّ الشاعر والكاتب الفلسطيني الأردني (د. وليد سيف ) صاحب رواية ( ملتقى البحرين ) من أبرز كُتَّاب الدراما التاريخية، وقد قدَّم في مسيرته مجموعةً من المسلسلات الدرامية المهمة، ونذكر بعضا منها: (ثلاثية الأندلس) و(التغريبة الفلسطينية) و(صلاح الدين الأيوبي) و(عروة بن الورد). 

ويُعرَف عن (د. وليد سيف) المصداقية في تناول التاريخ العربي، بالإضافة إلى أنَّه صاحب لغة أدبية عذبة وبليغة يلمسها القارئ أو المشاهد في أعماله الأدبية والدرامية كلها.

وقد صدرت له مؤخرًا رواية ( ملتقى البحرين )؛ التي تدور أحداثها في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي في ظل انقسام العالم الإسلامي إلى ممالك متفرقة، وتخص الرواية بأحداثها مملكةً من تلك الممالك التي كان يحكمها سلطانٌ يجور على العامة ويهادن عدوًّا يتربَّص بثغور البلاد، ويغير على تلك الثغور ويحتل ما يحلو له منها؛ إذ كان جيشُ البلاد ضعيفًا في العُدَّة والعتاد، ولا ينفق السلطان عليهم شيئًا، بل يكتفي بالنفقة على ملذاته الشخصية وملذات حاشيته وحسب، وهكذا حتى ثار عليه قائد الجيش مع بعض الجنود، ونجحوا في إسقاط حكمه الاستبدادي، وسرعان ما تولَّى قائد الحرس مكانه وصار هو السلطان، وحينها شرَع يسترجع الأجزاء المقتطعة من مملكته، فحاربَ حروبًا عدة جعلت العدو يعرف أنَّه أمام حاكم قوي لا يستطيع استغلاله أو تطويعه في خدمته، ولكن؛ في مقابل ذلك -وهنا يكمن جوهر العمل- بدلًا من أن يحقِّق العدل في عامة الناس، بثَّ فيهم العيون الفاسدة حتى صار الأخ لا يأمن لأخيه بأن لا يكون عينًا للسلطان، وذلك بسبب طمع كل من اشترك معه في إسقاط حكم السلطان القديم في يده من المُلْك، فكان حين يرى الطمع في أيٍّ منهم يبطش به حتى لا ينهار حكم المملكة وسطوتها على الرعية.

وهكذا حتى صار الظلم والبطش حالةً تجول في زوايا المملكة كلها وعقول سُكَّانها.

وعلى الجانب الآخر، كان هناك فتاةٌ ممَّن تعرَّضوا لبطش السلطان الجديد، فاختطفها جنوده بعد أن قتلوا أهلها وصارت سبيةً جارية في دار النخاس تنتظر من يشتريها بعد أن صار اسمها (قمر)، وصار لها من العلوم والآداب والفنون ما لا يكون للحُرَّة، فلا تحتاج الحُرَّة إتقان أيٍّ من المهارات التي تحتاجها الجارية، فالحُرَّة تتزوج بنَسَبها لا بما تتقن من العلوم والفنون على عكس الجارية التي تُباع وتُشترى، فكلما زادت المهارات التي تتقنها إحدى الجواري زاد ثمنها، ومن ثم يشتريها سيِّد من عِلْيَة القوم، وقد ذاع صيت (قمر) بين الجميع وغلا سعرها؛ نظرًا لما تتمتع به من جمال ومهارات أخرى وطلاقة لسان ومعرفة، وهذا كله دفع زوجة السلطان لتشتريها للسلطان الظالم هديةً بمناسبة انتصاره على العدو، وهنا نتساءل كيف ستتصرَّف (قمر) عند معرفتها أنَّ السلطان الذي قتل أهلها وسلَّعها في دار النِّخاس هو من اشتراها؟ هل ستهرب أم تستسلم لقدرها؟ وكيف ستتعامل مع حقدها تجاه السلطان؟ وهل ستنجح في جعل السلطان يميِّزها بين كل ما يملك من الجواري الحِسان؟

وقد كانت (قمر) تُحب مُعلِّم الشعر والأدب الذي كان ينقم على السلطان أيضًا، ويُعِدُّ رجاله للثورة عليه لتحقيق العدل الذي غاب بعد أن تأمَّل العامة عودته في ظل حكم السلطان الجديد، ولكن؛ ماذا فعل المعلم حين عرف أنَّ (قمر) قد صارت جارية للسلطان؟ وهنا نرى في عنوان الرواية ( ملتقى البحرين ) أنَّ البحرين هما السلطان والمعلم وملتقاهم في (قمر)، ورغبة تحقيق العدل مع اختلاف الطرق، فهل سيتحقق العدل على يد أيٍّ منهما؟ ومن المنتصر في النهاية؟

تحمل الرواية في طيَّاتها إسقاطات عدَّة على واقعنا المعاصر في ظل الانتفاضات التي حدثت ضد بعض الأنظمة، وما تركته في الناس من حيرة وأسئلة بلا إجابات، ونرى تلك الأسئلة والحيرة عند السلطان والمعلم و(قمر) على السواء. 

ونرى في (قمر) تجسيدًا لعامة الشعوب المغلوبة على أمرها في أثناء الانتفاضات المتقلِّبة بين حالين لا تستطيع الميل إلى أحدهما على الآخر، فلا تستطيع أن تنصر الحاكم ولا أن تنصر الثائر الذي بات يبطش مثل من ثار عليه؛ إذ قد يتسع الأمر إلى الحد الذي يختلط فيه كل شيء، فلا يُعرَف من كان على حق ومن ليس كذلك، وقد يلتبس الأمر على الثائر والحاكم أيضًا، ونرى ذلك في الأسئلة التي يطرحها المعلم على نفسه، فيقول:

“هل تاهت قدماه عن الطريق، أم أنَّ الطريق نفسه كان غدَّارًا فتغير كما تغير كُثبان الرمال مكانها بفعل الرياح التي تهب على هواها، لا على هوى الراكب الساري؟ هل أخطأ الرمي أم أنَّ الهدف الذي ظنَّه واضحًا ثابتًا شرد عنه شرود القطاة؟ هل مطلب العدل في هذه الدنيا بعيد المنال إلى هذا الحد فلا يتحقق على تمامه إلا في الآخرة أمام الديَّان؟”