تطورت الرأسمالية منذ بداية الوجود البشري، وأخذت أشكالاً عدة في خلال عملية التطور، مما ولّد اختلافاً بين المفكرين عن هذا النظام الاقتصادي. الرأسمالية بوصفها تعريفاً هي نظام اقتصادي يعتمد على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج خاصةً في القطاع الصناعي.

كارل ماركس من أشهر الاقتصاديين الذين درسوا الرأسمالية بوصفه نظاماً اجتماعياً واقتصادياً، وقد اشتهر بنظريته عن الرأسمالية والشيوعية(2). وضع عديداً من الكتب مثل “رأس المال والبيان الشيوعي” و”مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي” التي درس فيها مفهوم المادية والرأسمالية. تحمل هذه الكتب شهادات على معتقداته، أهمها الاعتقاد أنّ تطور الرأسمالية عبارة عن عملية تدريجية ترجع أصولها إلى الوقت الذي عاش فيه الإنسان حياةً بدويةً، وتدريجياً تطور هذا الإنسان وبدأ بتنظيم نفسه في وحدات صغيرة، وفي خلال هذه الفترة بدأ الاعتماد على الزراعة، وهنا كانت بداية ظهور عدم المساواة، ولاحقاً ظهور نظام إقطاعي يشجع الناس إما على امتلاك الأراضي وإما على استغلالها من قبل الأمراء الإقطاعيين.

لم يكن التجار يمتلكون أهمية أو سلطة في ذلك الوقت بسبب هيمنة الأثرياء على الأراضي وإنتاجيتها، لكن بعد فترة انتقلت السلطة من السادة الإقطاعيين إلى التجار الذين هاجروا إلى المدن وتولوا ملكية وسائل الإنتاج، وهنا كانت بداية ظهور الرأسمالية بوضوح. هذا الاعتقاد هو أساس نظريته “المادية التاريخية” التي تفترض أنه في أي وقت من الأوقات يكون المجتمع مرتباً بحسب نوع التكنولوجيا المستخدمة في عملية الإنتاج.

ذكر كارل ماركس عدداً من نتائج الرأسمالية أهمها عزل العمال عن المنتج؛ إذ يحصل العمال على أجور منخفضة جدّاً تفقدهم القدرة على الاستهلاك، وتركزت الأرباح والفوائد في يد الملاك فقط. وقد عدَّ ماركس أيضاً أن الرأسمالية أجبرت العمال على التخصص من خلال تقسيم العمل؛ ما أفقدهم قدراتهم الإبداعية، والأهم من ذلك زيادة الفروقات وتوسيع الاختلافات الطبقية بين الناس التي كانت موجودة في الأصل.

عدَّ كارل ماركس الرأسمالية نتيجة لزيادة الوعي عند بعض الأشخاص الذين قرروا تحسين ظروفهم من خلال استخدام الوسائل التي يرونها مناسبة، ورأى أن العلاج الوحيد لهذه الفوضى الرأسماليّة هو الاشتراكية التي من شأنها أن توازن بين القدرة على الإنتاج والحاجة إلى الاستهلاك .

أما ماكس فيبر فقد تحدث عن الرأسمالية من منظور مختلف تماماً من خلال كتابه “أخلاق البروتستانت وروح الرأسمالية”؛ فقد ألَّف هذا الكتاب في الوقت الذي كان فيه الحزب الاشتراكي الديمقراطي متأثراً بالآراء الماركسية، ويحاول إحداث ثورة في ألمانيا من خلال التخلص من الانقسامات داخل المجموعة. وأكدّ فيبر أن الرأسمالية ليست النظام الأفضل، إلا أنه افترض أن الثورة ليست هي الحل المناسب للرأسمالية. وعلى الرغم من ذلك لم يقترح فيبر أي بديل عن الرأسمالية؛ فقد كان تركيزه على القضية فقط على عكس كارل ماركس، وكانت رؤيته أن انتصار روح الرأسمالية الحديثة يتطلب التخلي عن الأبعاد الفاوستية للأنواع البشرية.

رفض ماكس فيبر المادية التاريخية التي اقترحها ماركس وعدَّ الرأسمالية نتيجة الأخلاق البروتستانتية التي شجعت الناس على العمل وإعادة الاستثمار، فقد كانت رغبة البشر تكمن في تجميع الثروة والتكديس بدلاً من الإنفاق لاعتقادهم أن هذا هو مصيرهم ومقدر عليهم احترام إرادة اللّه، إضافة إلى أنه تجاهل استغلال طبقة البروليتاريا وكان تعاطفه معدوماً تقريباً، ورفض الشك بأيّ توسع استعماري، في حين كان هدف كارل ماركس الأساسي هو الطبقة العاملة. ما لم يفهمه فيبر هو هيمنة قيمة التبادل على الأنشطة البشرية على عكس كارل ماركس، فآليات التثمين والآليات المدونة في بورصة السلع الأساسية تؤدي إلى تحويل العلاقات الاجتماعية إلى نقود.

لقد توقع كارل ماركس انتفاضة من شأنها أن تلغي الرأسمالية نتيجة للظروف الاقتصادية التي عاصرها، في حين عاش ماكس فيبر في فترة من النضج الاقتصادي، وشهد ذلك تطوراً دون أية ثورة، وهذا قد يكون سبب اختلاف نهج كل منهما.