تدّمرت معظم ألمانيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية التي أشعلتها ألمانيا نفسها، وتضرر جزء كبير من بنيتها التّحتية، وقد فجَّر معظمها قوات الحلفاء، ومدينة دريزدن Dresden سُوّيَت كلها بالأرض، وانخفض عدد سكان مدينة كولون Cologne من 750،000 إلى 32،000 ألف نسمة (أي قرابة 96% ) أثناء هذه الحرب الشعواء التي أشعلها (أدولف هتلر) وحلفاؤه تحت اسم دول المحور*؛ فقد خصص رئيس ألمانيا أدولف هتلر حصصًا غذائية مُحدّدة للسكان؛ إذ حدد للشخص الواحد 2000 سعرة حرارية في اليوم، وبعد الحرب كان الوضع أسوأ فقد تابع الحلفاء هذه السياسة؛ ليصل التخصيص إلى 1000-1500 سعرة حرارية في اليوم، ومعنى ذلك أنه قد جُوِّعَ سكان ألمانيا؛ لأنَّ هذا الحدَّ أقل من الحد الأدنى الذي يحتاج إليه الجسم يوميًّا.

وقد أدّى ضبط أسعار السلع والخدمات Price Control إلى نقص كبير في الكميات المعروضة، ونشوء سوق سوداء ضخمة جدًّا*، وأمَّا بخصوص العملة الألمانية أو الرايخ مارك The Reichmark فقد أصبحت عديمة القيمة، واضطُرَّ الناس إلى العودة لنظام المقايضة Bartering -نظام لتبادل السلع؛ إذ تُبادَل سلعة بسلعة مباشرة، وكان هذا النظام سائدًا قبل نشوء النظام النقدي- لتبادل السلع والخدمات.

وكانت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية دولة مُدمَّرة تواجه مستقبلًا قاتمًا إلى أبعد الحدود؛ إذ قُسّمَت هذه الكعكة الكبيرة بين أربعة أطراف: (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا)، وقريبًا ستُقسَم نصفين آخرَين؛ فقد أصبح النصف الشرقي، أو مايُعرف بألمانيا الشرقية  (DDR (Deutsche Demokratische Republik دولة اشتراكية، أما النصف الآخر وهو النصف الغربي BRD أو Bundes republik Deutschland دولة ديمقراطية، وقُسِّمَت العاصمة برلين نصفين بسور سيُعمَّر قرابة ثمانية وعشرين عامًا، وسيُعرف فيما بعد بجدار برلين Berlin Wall (1961-1989) فقد بقيت هاتان الدولتان من عام 1949 وحتى عام 1990.

بعض الحقائق عن جدار برلين:

تعود نشأة هذا المصطلح إلى القرن العشرين.

بداية تشكل الجدار: هرب أكثر من ثلاثة ملايين شخص من ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية في المدة ما بين 1945 و 1961، ويكوّن هؤلاء الأشخاص الهاربون خُمسَ سكان ألمانيا الشرقية، ويُعَدّون الأصغر سنًّا وأكثر شبابًا وحيوية، إضافة إلى كونهم الأفضل تعليمًا؛ ما دفع حكومة ألمانيا الشرقية إلى تعزيز حدودها، وتقييد السفر على مواطنيها لينتهي الأمر إلى بناء جدار برلين.

كان هناك 50 ألف برلينيّ يُعرَفون بـ Grenzgangers يَعبُرون الحدود يوميًّا للعمل في ألمانيا الغربية؛ إذ كانت الرواتب هناك أعلى من الرواتب في ألمانيا الشرقية مع البقاء في ألمانيا الشرقية، والحصول على السكن المجاني، دون المساهمة في اقتصاد ألمانيا الشرقية.

وكانت قيمة المارك الألماني الغربي أكبر بـ 4 إلى 6 أضعاف من قيمة المارك الشرقي، ولكن السلع الأساسية في ألمانيا الشرقية كانت مدعومة من الحكومة الاشتراكية، بَيْد أن قوة المارك الغربي جعلت الفرق يظهر بوضوح مع كل ذلك، وهذا يعني أن السكان في ألمانيا الغربية يمكنهم تبديل عملتهم في السوق السوداء بسهولة ليتسوقوا في ألمانيا الشرقية المليئة بالبضائع الرخيصة، بما أنّهم لايبحثون عن ماركات فارهة.

وبلغ محيط جدار برلين 155 كم، وكان محاطًا بـ 302 برج مراقبة، إضافة إلى 259 كلبًا لحراسته، و 20 موقعًا دفاعيًّا تحت الأرض Bunker، وكان يحرُس الجدار أكثر من 11 ألف جندي أيضًا.

لم يكن -في الحقيقة- جدار برلين مجرد جدار، وإنما كان عبارة عن ترسانة عسكرية.

ولكن بحلول عام 1989، سقط جدار برلين وعادت ألمانيا موحدة من جديد، ليس هذا فحسب، بل أصبحت موضع حسد العالم أجمع؛ إذ أضحت ألمانيا من أكبر الاقتصادات في العالم، وأطلقَ العالَم على هذه النهضة الألمانية اسم: “المعجزة الاقتصادية الألمانية” “German Economic Miracle أو كما يسمّيها الألمان Wirtscaftswunder

ولكن أنّى لألمانيا هذا!

إليكم القصة:

يَعُدّ كثير من الناس (وولتر يوكين) -الذي نال والده جائزة (نوبل) في الأدب- واحدًا من أكثر الأشخاص أهمية ومساهمة في إعادة ولادة ألمانيا من جديد، ودرس يوكين الاقتصاد في جامعة بون Bonn الألمانية وبدأ يدرِّس فيها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ثم انتقل بعدها إلى جامعة فرايبرغ Freiburg إذ حاز على شهرة عالمية، وأصبح له كثير من التابعين.

وتُعَدُّ جامعة (فرايبرغ) أحد الأماكن القليلة في ألمانيا التي كانت تعارض هتلر؛ إذ كانت مكانًا يجتمعُ فيها معارضيه ليُعبّروا عن آرائهم، ولكنْ ما جعل أهميتها أكبر من ذلك هو أنها كانت المكان الذي بدأ منه وولتر يوكين تطوير نظرياته الاقتصادية التي أصبحت تُعرَف فيما بعد بمدرسة فرايبرغ Freiburg School أو ordo-liberalism أو مايُعرَف بالسوق الحرة. Social Free Market

وكانت أفكار يوكين متجذّرة في معسكر السوق الحرة الرأسمالية camp of free-market capitalism ولكنه سمح للحكومة بالتدخل لضمان أن هذا النظام قادرًا على تحقيق أكبر قدر من الفائدة لأكبر قدر من الناس، فعلى سبيل المثال: يُعدُّ فضُّ القوانين الصارمة أمرًا مهمًّا؛ لمنع تشكّل أي شكل من أشكال الاحتكار، ويساعد نظام الرعاية الاجتماعية كثيرًا على تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق توفير نظام ضريبي يُحقّق العدالة بين الغني والفقير.

وقد أيّد يوكن وجود بنك مركزي مستقل عن الحكومة، ويُركّز على السياسات النقدية لضمان استقرار الأسعار؛ إذ كانت أفكاره نفس أفكار الاقتصادي ميلتون فريدمان Milton Friedman

إن هذا النوع من التنظيم (تنظيم الحكومة للاقتصاد، ووجود بنك مركزي) بالتأكيد هو شيء طبيعي في يومنا هذا، ولكن في ذلك الوقت كان يُنظر له على أنه فكرة غريبة ومتطرّفة جدًّا.

وضرب الكساد الكبير العالَم كلَّه -في المدة ما بين كانون الثاني 1922 وحتى تشرين الثاني عام 1923- وكان أثره كبيرًا في ألمانيا؛ إذ أدّى الكساد إلى حدوث تضخُّم جامح في مستوى الأسعار بمقدار 20 مليارًا؛ فقد كانت الأسعار تتضاعف كل 28 ساعة، فعندما يرتبط وجود التضخم الجامح بالكساد فإنه يكون هناك زيادة كبيرة بكمية العرض النقدي، دون زيادة تقابلها بالعرض السلعي وهذا ينتج عنه عدم توازن بين العرض النقدي، والطلب النقدي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وفقدان العملة قيمتِها.

أما التضخم الجامح في وقت الحرب؛ فإنه ينشأ عندما يكون هناك عدم ثقة بالعملة المحلية، ونتيجة ذلك يطلب البائعون للعملة المحلية مبالغ إضافية ليقبلوا بها.

وأدّى هذا التضخم إلى انهيار الاقتصاد ووصول هتلر إلى السُّلطة، واعتقد كثير من الناس آنذاك أن الاشتراكية هي النظرية الاقتصادية التي ستكتسح العالم كله.

وفي الوقت نفسه كان على الأمريكان والحلفاء الذين يسيطرون على النصف الغربي من ألمانيا أن يتخذوا القرار حول أي منحًى اقتصادي يجب المضي به.

النّقلةُ النّوعيّةُ للاقتصادِ الألماني:

عندما كانت دولة ألمانيا الغربية في بداية تأسيسها، كان هناك نقاشات كبيرة حول الاتجاه الذي ستتخذه الدولة الجديدة فيما يتعلق بسياستها النقدية؛ إذ أرادت كثيرٌ من الأطراف بما فيها قاعدة القوى العاملة وأعضاء من الحزب الديمقراطي الاجتماعي أن يكون نظام الدولة الغربية نظامًا اقتصاديًّا تسيطر عليه الحكومة، ولكنّ رجلًا مُخضرمًا -حضر الحرب العالمية الأولى- يُدعى (لودووغ إرهارد) بدأ يكسب شهرة وأهمية كبرى مع القوات الأمريكية التي كانت تسيطر على ألمانيا في واقع الحال، وكان إرهارد شخصًا معروفًا جدًّا فقد عمِلَ باحثًا لمصلحة منظمة ركّزَت نشاطها على الأنشطة الاقتصادية لقطاع المطاعم، بينما كان يدرُسُ في كلية إدارة الأعمال.

وكتب إرهارد عام 1944 مقالةً جريئة مع استمرار سيطرة الحزب النازي على ألمانيا، ناقش فيها وضع ألمانيا المالي في حال خسر النازيون الحرب.

وصلت مقالته إلى الاستخبارات الأمريكية التي بحثت عنه، واستدعته فيما بعد، وعندما استسلمت ألمانيا عُيّنَ وزيرًا للمالية في بافاريا Bavaria ومن ثم تابع حصوله على الترقيات ليصبح مدير المجلس الاقتصادي لألمانيا الغربية المحتلة.

وعندما صار لإرهارد مكانًا سياسيًّا مؤثّرًا، بذل جهدًا في جوانب متعددة ليعيد اقتصاد ألمانيا الغربية إلى الحياة مجددًا، فقد أدى دورًا كبيرًا في تشكيل عملة جديدة طبعها الحلفاء؛ لتحل محلَّ (الرّايخ مارك) الذي أصبح بِلا قيمة، وأدى طرح العملة الجديدة إلى تخفيض كمية العملة المتوافرة لدى العامة بنسبة 93%؛ مما أدّى إلى تقليص حجم الثروة التي يملكها كل من الأفراد والشركات الألمانية، إضافة إلى منح تخفيضات ضريبية كبيرة في محاولة لتحفيز الإنفاق والاستثمار.

ثم اتُّفِق على إدخال العملة في 21 حزيران 1948، وفي خطوة مثيرة للجدل قرر إرهارد أن يُلغي ضبط الأسعار في اليوم نفسه، (ضبط الأسعار هي إحدى السياسات المالية التي تتَّبِعها الحكومات لكبح جماح الغلاء وارتفاع الأسعار وطمع التجار وتُستعمل أحيانًا لمحاربة التضخم).

وقد أدى قرار إرهارد هذا لانتقاده عالميًّا؛ إذ استُدعِي إلى مكتب الولايات المتحدة العام الذي يرأسه Lucius Clay القائد المشرف على النصف الغربي المُحتل من ألمانيا، وقد أخبره الأخير أن مستشاريه أخبروه أنّ السياسة الألمانية الجديدة العنيفة ستكون خطأ كبيرًا، فكانت إجابة إرهارد الشهيرة:

“لاتستمع إليهم أيها القائد، فالرجال الذين أستشيرهم يخبرونني الشيء نفسه”.

لكن إرهارد أثبت فيما بعد أنهم جميعًا كانوا على خطأ.

النّتائج:

عادت ألمانيا الغربية إلى الحياة بين ليلة وضحاها، فأصبحت المحلات تعج بالبضائع، وذلك عندما أدرك الناس أن العملة الجديدة لها قيمة، وقد توقفت المقايضة بسرعة وانتهت السوق السوداء وعادت الأسواق التجارية إلى العمل مجددًا، وعاد حافز العمل للناس.

وكان الألمان في عام 1948 يستهلكون قرابة تسع ساعات ونصف أسبوعيًّا في الحصول على الطعام والحاجات الأخرى، ولكن في تشرين الأول، وبعد أسابيع من إطلاق العملة الجديدة وتخفيض ضبط الأسعار انخفض هذا الرقم إلى ما يقارب الأربع ساعات أسبوعيًّا، وكان إنتاج ألمانيا الصناعي في حزيران قرابة نصف إنتاج عام 1936، وكان الرقمُ قريبًا من 80% عند نهاية السنة.

وساهم برنامج الانتعاش الأوربي -والمعروف بخطة مارشال (نسبة إلى وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال)- في إعادة ولادة ألمانيا.

وقد قدَّمت الولايات المتحدة بموجب هذا البرنامج 14 مليار دولار (أي قرابة 115 مليار دولار في عام 2008) للدول الأوربية التي تضررت من الحرب العالمية الثانية؛ إذ ذهبت حصة كبيرة من هذه النقود إلى ألمانيا، كونها أكبر المتضررين من الحرب، ولكن المفاجئ في الأمر هو ماتوصل إليه المؤرخون الاقتصاديون؛ إذ قدر بعضهم مساهمة خطة مارشال في إعادة ولادة ألمانيا بأقل من 5% فيما يتعلق بدخل ألمانيا القومي في ذلك الوقت!!

واستمرت ألمانيا الغربية بالنمو، وأصبح في عام 1958 إنتاج ألمانيا الصناعي أعلى بأربع مرات مما كان عليه قبل عقد من الزمن.

الخلاصة:

في وقت إعادة إعمار ألمانيا، كانت الأخيرة وسط حرب باردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي؛ فقد كانت ألمانيا الغربية حليفًا قويًّا لأمريكا، وكانت رأسمالية كثيرًا، مع أنّ الحكومة قد أدّت دورًا كبيرًا في المحافظة على السوق الحرة، بينما كانت ألمانيا الشرقية شيوعية، وكانت حليفًا قويًّا للاتحاد السوفيتي. وكان النظر إلى قسمي ألمانيا الشرقي والغربي جنبًا إلى جنب يُظهِر مقارنة واضحة بين نظامي الاشتراكية والرأسمالية في العالَم.

مع هذا فإنه لم يكن هناك مجال كبير للمقارنة، فقد كانت ألمانيا الغربية مزدهرة، بينما كان الجزء الشرقي منها على النقيض من ذلك، وقد أدى ضعف الاقتصاد في ألمانيا الشرقية، ونقص الحريات السياسية فيها إلى نشوء احتجاجات فيها، ومع وجود القوانين التي فُرِضَت للحد من السفر، ومغادرة القسم الشرقي، فقد كان هناك أعداد هائلة من المهاجرين، وسمحت ألمانيا الشرقية في تشرين الثاني من العام 1989 لأول مرة منذ عقود لعدد من سكانها السفر مباشرة إلى ألمانيا الغربية، وكان ذلك أحد التداعيات التي أدت إلى انهيار جدار برلين، وإعادة توحيد البلدين من جديد.

ولكن عودة الجزأين الشرقي والغربي من ألمانيا للتساوي من جديد يحتاج إلى وقت من الزمن؛ إذ حتى بعد توحيد الجزأين كانت الأجزاء الشرقية من ألمانيا تساهم فقط بـ 30% من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا الغربية، واليوم وبعد قرابة 20 سنة، مايزال إنتاج ألمانيا الشرقية يبلغ 70% من إنتاج ألمانيا الغربية، ولكن في عام 1948 لم يكن أي من هذه الأشياء ممكنًا، ولولا (وولتر يوكين) و(لودويغ إرهارد) لما تحقّق أيٌّ من هذا.

)دول المحور هي: ألمانيا وإيطاليا واليابان وعددٌ من الدول الأخرى تحت اسم دول المحور، ضد دول التحالف التي تترأسها بريطانيا وفرنسا، وانضمت الولايات المتحدة إليها في نهاية الحرب؛ لتقلب كفة الميزان لصالح الحلفاء(.

*السوق السوداء: هي النشاطات الاقتصادية التي تجري دون موافقة أو ترخيص حكومي، والعمليات التي تجري في السوق السوداء غالبًا تكون تحت الطاولة؛ إذ يتجنَّب المشاركون دفعَ الضرائب، أو ضبط الأسعار، والسوق السوداء أيضًا هي المكان الذي تباع المخدرات والأسلحة فيه على وجه غير قانوني. أما فيما يتعلق بالمتاجرة بالعملات في السوق السوداء: فإن ذلك يكون في الاقتصادات الضعيفة التي تحدث فيها معدلات تضخم عالية على سبيل المثال، وليس لديها احتياطيات نقدية كافية.