ثمانية دول في شرق آسيا – اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة وتايلاند وماليزيا وإندونيسيا – أصبحت تُعرف باسم ” المعجزة الاقتصادية لشرق آسيا ” بسبب النمو الهائل لاقتصاداتها بعد أن كانت معدلات نموها غير مرئية في السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي .

لتفسير التنمية الاقتصادية غالبا ما تكون نقطة الانطلاق كتابَ “ثروة الأمم” الذي وضعه آدم سميث والذي يفسر كل نمو اقتصادي حديث تقريباً، ويفترض الكتاب أن تطور التجارة وتقسيم العمل يؤديان إلى النمو الاقتصادي.

نسب سميث النمو الاقتصادي الى الطبيعة البشرية التي تميل نحو زيادة الثروة، يجادل بأنه يجب ألا يكون هناك أيّة تدخلات، ولا حتى تدخل الدولة، مما يعطل السوق. بمعنى آخر، جعل “اليد الخفية” للسوق تنظم نفسها  فيحدث النمو الاقتصادي. مع ذلك نجد أنَّ تجارب النمو الاقتصادي السريع في شرق آسيا تتناقض مع نظرية سميث.

اليد الخفية للسوق أو اليد المرئية للدولة؟

إن المراجعة السريعة  للنمو الاقتصادي الهائل لمطوري القرن العشرين، وتحديداً اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، تكشف بوضوح -على عكس تأكيد سميث- أن النمو الاقتصادي في تلك البلدان كان بسبب تدخل الدولة. ولم تكن “اليد الخفية” للسوق هي التي أشعلت النمو السريع في تلك البلدان بل “اليد المرئية” للدولة، التي وجهت تدفق رأس المال إلى الصناعات التي اعتقدت الدولة أنها الأكثر إنتاجية.

ولولا تدخل الدولة القوي، لما كان التصنيع الضخم ممكنًا في الاقتصادات الصناعية العملاقة بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً ألمانيا واليابان، وفي الآونة الأخيرة شرق آسيا.

لم توفر الدولة للمطورين المتأخرين فقط ظروفًا للاقتصاد الكلي تفضي إلى تراكم رأس المال والديناميكية الاقتصادية، بل سعت أيضًا إلى الحدِّ من المخاطر التي تتعرض لها الشركات المحلية من خلال أحكام مختلفة من الإعانات مثل الائتمان الرخيص والضرائب المنخفضة أو بدون ضرائب، فضلاً عن الدعم في المعدات والآلات.

أكدت الدراسات أن النجاح في اقتصادات كوريا الجنوبية وتايوان لم يكن بسبب إخلاصهم “للتدخل من غير الدول”، بل اعتمادًا على التخطيط الصناعي التدخلي بشدة والتلاعب الكوري والتايواني بنشاط التجارة وأسعار الصرف وحماية الأسواق المحلية بشدة ضد المنافسة الأجنبية بينما كانت صناعاتهما تتطور.

هذا يطرح التساؤل الآتي: إذا كانت هذه هي السياسات الاقتصادية نفسها التي نُفِّذت في جميع أنحاء العالم النامي، فلماذا نجحت هذه السياسات في شرق آسيا، لكنها فشلت في أي مكان آخر؟ للإجابة على هذا السؤال، يجب على المرء أن يفحص معايير الدولة في تلك التجارب الناجحة للتنمية الاقتصادية.

 إنّ السياسة الصناعية الناجحة تتطلب من الدولة أن تنسّق الأنشطة الاقتصادية لتعزيز الأداء الصناعي. 

في كل من كوريا الجنوبية وتايوان، كانت الدولة قادرة على “استخراج الأداء” من الشركات المحلية في مقابل الدعم المالي والحماية اللذين وُضِعَا تحتَ تصرفهم.

 في العديد من البلدان النامية، عُومِلَتِ الإعانات المقدمة للصناعات المحلية على أنها “هدايا” دون المطالبة بأداء أعلى من حيث الجودة والقدرة التنافسية؛ في المقابل، كانت الدولة في شرق آسيا قادرة على وضع معايير أعلى وطلب معايير أعلى من الصناعات المحلية. فالإعانات القائمة على الأداء الخاضع للمراقبة هي الأكثر فعالية. وتميزت نمور شرق آسيا بقدرتهم على المطالبة بالأداء في مقابل الحصول على الدعم المالي وحماية السوق. 

 إن الفكرة الكاملة لتدخل الدولة مستمدة من حقيقة أنه ببساطة لا يمكن للصناعات المحلية دمج السوق العالمية والازدهار باستقلالٍ ضد الشركات القائمة على نحوٍ أكثر تحديداً، في حين أن الشركات الموجودة بالفعل في السوق العالمية تتمتع بمزايا مختلفة مثل الروابط مع الشبكات التجارية، وعلى النقيض من ذلك، تجد الشركات القادمة حديثًا صعوبة بالغة في التنافس معها بسبب حواجز السوق العنيدة. ونتيجة لذلك، تأخذ الدولة على عاتقها التدخل من أجل تأمين الموارد التي تفتقر إليها الشركات المحلية وتقليل درجة عدم اليقين والمخاطر، ومن ثمّ حماية الشركات المحلية من وطأة المنافسة العالمية.

وتجدر الإشارة إلى أن الاستراتيجيات الحمائية لا ينبغي أن تستمر إلى الأبد، فبمجرد أن تصل الشركات إلى النقطة التي يكون فيها إنتاجها منافسًا نسبيًا، يجب على الدولة أن تعرضها للمنافسة الدولية حتى تتمكن من دعم نفسها بجودة أعلى للمنتجات.

من ناحية أخرى، لا يمكن للدولة أن تصنع من تلقاء نفسها، لأنها لا تتحكم مباشرة في آليات الاستثمار فيكون التحالف بين النخبة السياسية للدولة من جانب ومجموعات الأعمال على الجانب الآخر مهم للغاية في تحقيق الأهداف الإنمائية. 

لتحفيز مجموعات الأعمال على الاستثمار في الصناعات المرغوبة، تلاعبت الدولة في كوريا الجنوبية وتايوان بشدة بسعر الصرف وأمَّمَت جميع البنوك لتنظيم السوق المالية.

إن تدخل الدولة في نمور شرق آسيا لم يشعل النمو الصناعي السريع فحسب، بل قدم أيضًا حوافز للشركات المحلية للاستفادة من التكنولوجيا المعينة والعمالة الرخيصة لإنتاج رأس المال وتجميعه. 

لكنه لا ينبغي افتراض أن تدخل الدولة سيولد دائمًا معدلات النمو السريعة هذه. يتوقف النمو الاقتصادي على مستوى الاقتصاد الكلي بدرجة كبيرة وعلى جودة هذا التدخل.

كانت المعجزة الاقتصادية لشرق آسيا تحدياً مهماً في النصف الأخير من القرن العشرين حيث أصرّ البنك الدولي حينها على أنّ سياساتهم لا يمكن أن تنجح، وتلتها عقود وعقود من النمو المفاجئ. 

وعلى الرغم من أن هذه المعجزة ” المعجزة الاقتصادية لشرق آسيا ” هي الى حد كبير انتصاراً للرأسمالية إلا أنها توضح أيضًا أن النمو الاقتصادي يعتمد على عزل أجزاء معينة من الاقتصاد بحكمة عن قوى السوق.

كيف بدأ هذا الازدهار ؟

 انتجت المزارع مواد أساسية كافة  لدعم بعض الصناعات،فتولد رأس المال من التصنيع مما جعل المزارع أكثر كفاءة، وهكذا أدى إلى انطلاق دورة فائضة. 

أشار إلى ذلك جو ستودويل في كتاب ” كيف تعمل آسيا” إلى أنه كل واحدة من المعجزات الاقتصادية بدأت بإصلاح الأراضي الزراعية كما هو الشأن بالنسبة ل ” المعجزة الاقتصادية لشرق آسيا “.

ودائما ما تفضل الحكومات الصناعات التي تحقق نمو انتاجي طويل الأجل وتدعم التصدير. وقد حظيت دول شرق آسيا عمومًا بالثورة الخضراء. حدث شيئان بعد الاستصلاح الزراعي الذي كان انطلاقة لهذا الازدهار وكان أولهما الفائض التجاري في كل بلد والاستثمار في المعدات الرأسمالية للمرحلة الثانية، وثانيهما ارتفاع معدل الولادات. وكان تفكير صانعي السياسات في السؤال: ماذا تفعل في عام 1950 للتأكد من أن حسابات التقاعد الخاصة بالأطفال الذين يبلغون 70 عام 2020 ممتلئة قدر الإمكان؟ 

وكانت العملية على الشكل الآتي:

  1. استثمار الفائض التجاري من المواد الغذائية في الصناعات الخفيفة كالمنسوجات، فهذا النشاط التجاري يكون حلاً عندما تكون اليد العاملة الرئيسية غير ماهرة مهارةً كافيةً ( شائع للدولة الفقيرة لديها ميناء وكمية قليلة رأس المال).
  2. استثمار الفائض التجاري من الصناعات الخفيفة في الصناعات الثقيلة في البداية: الصلب والمواد الكيميائية الأساسية، وفي النهاية الآلات الثقيلة والسيارات والمواد الكيميائية المتخصصة والإلكترونيات.
  3. دفع الصناعات الثقيلة بقوة للتصدير وبيع المنتجات التي يمكن أن تتنافس على الصعيد العالمي، حتى لو فرضت ضريبة على السكان لدعم المصدرين.
  4. إجبار الناس على توفير نسبة عالية من ناتجهم الهامشي (أي إن مستويات المعيشة يمكن أن ترتفع، ولكن ينبغي أن يرتفع أقل بكثير من الناتج المحلي الإجمالي) ؛ توجيه هذه الأموال إلى الصناعات.
  5. بمجرد أن تصبح الرائد في مجال الصناعة يمكنك الاسترخاء، ولكن قليلاً فقط فعليك القلق من قيام الآخرين بنسخ تجربتك (حصلت كوريا الجنوبية على نسخة من صناعة الصلب اليابانية وواجهت صناعة السيارات منافسة ايضاً وفقدت اليابان أيضًا تقدمها في الإلكترونيات لصالح الصين).

وتجدر الاشارة أن هذا التقدم لم يحدث بسبب السياسات الاقتصادية وحسب، بل استطاع قادة السياسات كسب ثقة مجتمعاتهم التجارية بأن استثماراتهم لن تصادر، استطاعوا إقناع السكان على نطاق واسع بأن تضحياتهم قصيرة الأجل ستكافأ في المستقبل.

 في ظل التنوع الغني لتجارب التصنيع في حقبة ما بعد الحرب، يبرز نمور شرق آسيا كدروس للنجاح الاستثنائي نظراً للدور الأساسي للدولة في تحفيز التنمية، وعزز هذا التقدم مكانتهم في التسلسل الهرمي الاقتصادي العالمي. وأدى النجاح الهائل في شرق آسيا إلى إعادة التفكير بشكل كبير في اقتصاديات التنمية .