10 تساؤلات اقتصادية لم تجد حلاً

10 تساؤلات اقتصادية لم تجد حلاً

على الرغم من ضخامة جهود كبار الاقتصادي ين المبذولة لحل بعض التساؤلات الاقتصادية، إلا أن الحل المقبول لم يبرز إلى الآن. وعبارة “لم تجد حلاً” تشير لاحتمالية وجود الحل، ولكن الصعوبة تكمن في غموض هذه التساؤلات، وتشابكها مما يجعل حلها غير ممكن. 

أعدت ويكيبيديا قائمة تجمع أهم هذه التساؤلات والمعضلات حتى الآن، وإليكم أبرز عشرة تساؤلات اقتصادية لم يُجَب عليها بعد:

 ما هو سبب قيام الثورة الصناعية؟

كانت الثورة الصناعية فترة من التصنيع والابتكار، وقد حدثت خلال أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. بدأت الثورة الصناعية في بريطانيا العظمى وانتشرت بسرعة في جميع أنحاء العالم. تعددت الأسباب المؤدية لقيام الثورة الصناعية، فمن وجود طبقة متوسطة قوية إلى تزايد الرأسماليين وظهور مجموعة من الأفكار العلمية، والتسويق لنظام سياسي جديد ونزوح الفلاحين من الأرياف إلى المدن في إنجلترا وعزلة البلاد عن المشكلات الأوروبية، نجد أن الجزم بسبب قيام الثورة الصناعية أمر مستحيل إذ يصعب ايجاد إجابة دقيقة موثقة.

ما هو السبب الحقيقي وراء الكساد العظيم؟

كان الكساد العظيمُ الركودَ الاقتصادي الأعظم والأطول في تاريخ العالم الحديث. وعلى غرار السؤال الأول لا يمكن تحديد سبب الكساد الكبير لكثرة العوامل المؤدية للانهيار النهائي لاقتصاديات الولايات المتحدة في أواخر العشرينات. ومع ذلك. يمكن القول إنه كان ناتجاً في المقام الأول عن تقاطع كارثي للعوامل الاقتصادية.

هل يمكن شرح لغز علاوة الأسهم (EPP) ؟إن الفرق بين عائدات الأسهم (ذات مخاطر معينة) وعائدات السندات الحكومية (عديمة المخاطر) يعبر عنه بعلاوة السهم، وهي تنخفض بزيادة الطلب على الأسهم مقابل سندات الخزينة. أما لغز علاوة الأسهم فيعبر عن حالة الارتفاع الكبير جداً لهذه العلاوة ارتفاعاً غير متوقع أو منطقي؛ مما يشير إلى مستوى عالٍ جداً من كره المخاطر لدى المستثمرين. ولا يزال الاقتصاديون يشعرون بالحيرة تجاه السبب الحقيقي لهذا اللغز.

ما هو حجم الحكومة ونطاقها المثالي؟

بالنظر إلى بلدان العالم، نلاحظ تبايناً كبيراً في حجم الحكومة وفي نطاق أنشطتها. فهل هنالك حجم أو نطاق مثالي للحكومات؟ وكيف يمكن عَدُّ حجم الحكومة أو نطاقها لبلدٍ ما مناسباً؟ تساؤلات لم يتوصل لإجابة موضوعية عليها، إنَّ حجمَ الحكومة ونطاقها يعتمدان إلى حد كبير على اعتماد مواطنيها على نفوذها. والكثير من المتغيرات الأخرى المدروسة منها أو غير المدروسة، وبتشابك المتغيرات وغموض بعضها الآخر يبقى هذا التساؤل بلا إجابة.

هل يمكن للاقتصاد الرياضي تقديم تفسيرات سببية؟

يُعدُّ الاقتصاد الرياضي نموذجاً يستخدم المبادئ الرياضية لإنشاء نظريات اقتصادية هدفها تحليل الشأن الاقتصادي وذلك من خلال اختبارات قابلة للقياس وإنشاء نماذج للتنبؤ بالنشاط الاقتصادي في المستقبل. وكون الاقتصاد الرياضي يعتمد على الملاحظات الإحصائية لإثبات السلوك الاقتصادي أو دحضه أو التنبؤ به، فقد يتساءَل البعض كيف يمكن للخبير الاقتصادي استخدام الملاحظات الإحصائية لاستنتاج تفسيرات سببية في نظرياتهم. قد يجد البعض تبريراً للأمر بتشبيه الاقتصاد الرياضي بالفيزياء.

هل هناك ما يكافئ نموذج Black-Scholes لتسعير العقود الآجلة؟

يفترض النموذج أن أسعار الأصول المتداولة تتبع حركة براونية هندسية ذات انحرافٍ مستمرٍّ وتقلّب. عند تطبيقه على خيار الأسهم، يشتمل النموذج على تباين ثابت في سعر السهم، والقيمة الزمنية للنقود، وسعر التنفيذ للخيار، ووقت انتهاء صلاحية الخيار. يُعَدُّ النموذج أكثر نماذج تسعير الخيارات شهرة في العالم ويستخدم النموذج بكثرة في أسواق الخيارات. وعلى الرغم من أنه لا يزال أدقَّ صيغة تنبؤ للأسواق في جميع أنحاء العالم، إلا أن التساؤل يبقى مطروحاً، هل هناك ما يكافئ هذا النموذج؟

 ما هو التضخم؟ ومن أين يأتي؟

يُنظَرُ عادةً إلى التضخم من زاوية الاقتصاد الكلي (وهو الاقتصاد الذي يُعنى بدراسة الحالة العامة للاقتصاد، الدخل القومي، ونسبة النمو الاقتصادي..) لكن هل يمكن النظر للتضخم من زاوية الاقتصاد الجزئي؟ (وهو الاقتصاد المعني بدراسة جزئيات السوق، وسلوكيات الأفراد في السوق، ومستوى الأسعار، وكيفية تفاعل العرض مع الطلب في السوق) سؤال حير الكثير من الاقتصاديين ولم يجدوا له جواباً.. فهل يعدُّ المال سلعة مثل أي سلعة نتداولها؟ إذا أجبنا: نعم؛ فهو عرضة للتضخم كباقي السلع. المشكلة ليست في التضخم وإنما من أين جاء التضخم؟ علماء الاقتصاد الجزئي لم يجدوا بعدُ جواباً محدداً لهذا السؤال.

هل العرض النقدي داخلي؟

يناقش التساؤل فيما إذا كان عرض النقود خارجيّاً أو داخليّاً.  يمكن القول: إن هناك وجهتي نظر. تنظر الأولى إلى عرض النقود كونه متغيراً خارجيّاً؛ لأنَّ السلطة النقدية يمكنها التحكم فيها ومراقبتها. وتنظر الثانية إلى عرض النقود كونها متغيراً داخليّاً؛ لأنّ البنك المركزي ليس لديه القدرة على التأثير فيه، خاصة عندما  يُغيَّرُ الدخل الاسمي أو النقدي وينعكس على مضاعف النقود والعرض النقدي، وكذلك عندما لا تستطيع السلطة النقدية تقييد التوسع النقدي بعدِّه نتيجةً لعوامل مختلفة تتعلق بهيكل الاقتصاد أو عوامل غير اقتصادية أخرى.

كيف تتشكل الأسعار في السوق؟

لا يوجد وصف في النظرية الاقتصادية الأساسية لتكوين سعر أي سلعة أو خدمة في السوق (معادلة تسعير عامة). ولا يمكن صياغة إجابة مقبولة، إذ تتقلب أسعار بعض السلع بشدة بينما تستقر أُخرى، وبعض المنتجات تسعر بناءً على العرض والطلب في السوق، مقابل بعض المنتجات مستقرة السعر، ناهيك عن آليات تحديد الأسعار بين التجار لبعض المنتجات.

ما سبب التباين في الدخل بين الجماعات العرقية؟

يستفسر هذا التساؤل عن تفاوت الدخل بين الجماعات العرقية، إذ نجد أن بعض الجماعات دخولها مرتفع كثيراً مقابل انخفاض الدخل ليصل لتحت خط الفقر لبعض الجماعات الأخرى، ويصعب تحديد سبب تباين الدخل بين الجماعات العرقية، إذ تؤدي الكثير من العوامل دوراً فيه؛ مع أن معظم هذه العوامل تتعلق بالعنصرية المؤسساتية في التوظيف والترقيات وتحديد الرواتب تجاه عرقيات معينة، ويعزي البعض هذا التباين في نسبة فرص العمل إلى الكثافة السكانية في أماكن تجمع أعراق معينة وغيرها من العوامل.

ورغم كل هذا، تبقى هناك جهود بحثية تبذل لحل هذه التساؤلات وغيرها من القضايا الاقتصادية التي حتماً ستثمر بإجابات علمية منطقية يوماً ما.

المعجزة الاقتصادية الألمانية

المعجزة الاقتصادية الألمانية

تدّمرت معظم ألمانيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية التي أشعلتها ألمانيا نفسها، وتضرر جزء كبير من بنيتها التّحتية، وقد فجَّر معظمها قوات الحلفاء، ومدينة دريزدن Dresden سُوّيَت كلها بالأرض، وانخفض عدد سكان مدينة كولون Cologne من 750،000 إلى 32،000 ألف نسمة (أي قرابة 96% ) أثناء هذه الحرب الشعواء التي أشعلها (أدولف هتلر) وحلفاؤه تحت اسم دول المحور*؛ فقد خصص رئيس ألمانيا أدولف هتلر حصصًا غذائية مُحدّدة للسكان؛ إذ حدد للشخص الواحد 2000 سعرة حرارية في اليوم، وبعد الحرب كان الوضع أسوأ فقد تابع الحلفاء هذه السياسة؛ ليصل التخصيص إلى 1000-1500 سعرة حرارية في اليوم، ومعنى ذلك أنه قد جُوِّعَ سكان ألمانيا؛ لأنَّ هذا الحدَّ أقل من الحد الأدنى الذي يحتاج إليه الجسم يوميًّا.

وقد أدّى ضبط أسعار السلع والخدمات Price Control إلى نقص كبير في الكميات المعروضة، ونشوء سوق سوداء ضخمة جدًّا*، وأمَّا بخصوص العملة الألمانية أو الرايخ مارك The Reichmark فقد أصبحت عديمة القيمة، واضطُرَّ الناس إلى العودة لنظام المقايضة Bartering -نظام لتبادل السلع؛ إذ تُبادَل سلعة بسلعة مباشرة، وكان هذا النظام سائدًا قبل نشوء النظام النقدي- لتبادل السلع والخدمات.

وكانت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية دولة مُدمَّرة تواجه مستقبلًا قاتمًا إلى أبعد الحدود؛ إذ قُسّمَت هذه الكعكة الكبيرة بين أربعة أطراف: (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا)، وقريبًا ستُقسَم نصفين آخرَين؛ فقد أصبح النصف الشرقي، أو مايُعرف بألمانيا الشرقية  (DDR (Deutsche Demokratische Republik دولة اشتراكية، أما النصف الآخر وهو النصف الغربي BRD أو Bundes republik Deutschland دولة ديمقراطية، وقُسِّمَت العاصمة برلين نصفين بسور سيُعمَّر قرابة ثمانية وعشرين عامًا، وسيُعرف فيما بعد بجدار برلين Berlin Wall (1961-1989) فقد بقيت هاتان الدولتان من عام 1949 وحتى عام 1990.

بعض الحقائق عن جدار برلين:

تعود نشأة هذا المصطلح إلى القرن العشرين.

بداية تشكل الجدار: هرب أكثر من ثلاثة ملايين شخص من ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية في المدة ما بين 1945 و 1961، ويكوّن هؤلاء الأشخاص الهاربون خُمسَ سكان ألمانيا الشرقية، ويُعَدّون الأصغر سنًّا وأكثر شبابًا وحيوية، إضافة إلى كونهم الأفضل تعليمًا؛ ما دفع حكومة ألمانيا الشرقية إلى تعزيز حدودها، وتقييد السفر على مواطنيها لينتهي الأمر إلى بناء جدار برلين.

كان هناك 50 ألف برلينيّ يُعرَفون بـ Grenzgangers يَعبُرون الحدود يوميًّا للعمل في ألمانيا الغربية؛ إذ كانت الرواتب هناك أعلى من الرواتب في ألمانيا الشرقية مع البقاء في ألمانيا الشرقية، والحصول على السكن المجاني، دون المساهمة في اقتصاد ألمانيا الشرقية.

وكانت قيمة المارك الألماني الغربي أكبر بـ 4 إلى 6 أضعاف من قيمة المارك الشرقي، ولكن السلع الأساسية في ألمانيا الشرقية كانت مدعومة من الحكومة الاشتراكية، بَيْد أن قوة المارك الغربي جعلت الفرق يظهر بوضوح مع كل ذلك، وهذا يعني أن السكان في ألمانيا الغربية يمكنهم تبديل عملتهم في السوق السوداء بسهولة ليتسوقوا في ألمانيا الشرقية المليئة بالبضائع الرخيصة، بما أنّهم لايبحثون عن ماركات فارهة.

وبلغ محيط جدار برلين 155 كم، وكان محاطًا بـ 302 برج مراقبة، إضافة إلى 259 كلبًا لحراسته، و 20 موقعًا دفاعيًّا تحت الأرض Bunker، وكان يحرُس الجدار أكثر من 11 ألف جندي أيضًا.

لم يكن -في الحقيقة- جدار برلين مجرد جدار، وإنما كان عبارة عن ترسانة عسكرية.

ولكن بحلول عام 1989، سقط جدار برلين وعادت ألمانيا موحدة من جديد، ليس هذا فحسب، بل أصبحت موضع حسد العالم أجمع؛ إذ أضحت ألمانيا من أكبر الاقتصادات في العالم، وأطلقَ العالَم على هذه النهضة الألمانية اسم: “المعجزة الاقتصادية الألمانية” “German Economic Miracle أو كما يسمّيها الألمان Wirtscaftswunder

ولكن أنّى لألمانيا هذا!

إليكم القصة:

يَعُدّ كثير من الناس (وولتر يوكين) -الذي نال والده جائزة (نوبل) في الأدب- واحدًا من أكثر الأشخاص أهمية ومساهمة في إعادة ولادة ألمانيا من جديد، ودرس يوكين الاقتصاد في جامعة بون Bonn الألمانية وبدأ يدرِّس فيها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ثم انتقل بعدها إلى جامعة فرايبرغ Freiburg إذ حاز على شهرة عالمية، وأصبح له كثير من التابعين.

وتُعَدُّ جامعة (فرايبرغ) أحد الأماكن القليلة في ألمانيا التي كانت تعارض هتلر؛ إذ كانت مكانًا يجتمعُ فيها معارضيه ليُعبّروا عن آرائهم، ولكنْ ما جعل أهميتها أكبر من ذلك هو أنها كانت المكان الذي بدأ منه وولتر يوكين تطوير نظرياته الاقتصادية التي أصبحت تُعرَف فيما بعد بمدرسة فرايبرغ Freiburg School أو ordo-liberalism أو مايُعرَف بالسوق الحرة. Social Free Market

وكانت أفكار يوكين متجذّرة في معسكر السوق الحرة الرأسمالية camp of free-market capitalism ولكنه سمح للحكومة بالتدخل لضمان أن هذا النظام قادرًا على تحقيق أكبر قدر من الفائدة لأكبر قدر من الناس، فعلى سبيل المثال: يُعدُّ فضُّ القوانين الصارمة أمرًا مهمًّا؛ لمنع تشكّل أي شكل من أشكال الاحتكار، ويساعد نظام الرعاية الاجتماعية كثيرًا على تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق توفير نظام ضريبي يُحقّق العدالة بين الغني والفقير.

وقد أيّد يوكن وجود بنك مركزي مستقل عن الحكومة، ويُركّز على السياسات النقدية لضمان استقرار الأسعار؛ إذ كانت أفكاره نفس أفكار الاقتصادي ميلتون فريدمان Milton Friedman

إن هذا النوع من التنظيم (تنظيم الحكومة للاقتصاد، ووجود بنك مركزي) بالتأكيد هو شيء طبيعي في يومنا هذا، ولكن في ذلك الوقت كان يُنظر له على أنه فكرة غريبة ومتطرّفة جدًّا.

وضرب الكساد الكبير العالَم كلَّه -في المدة ما بين كانون الثاني 1922 وحتى تشرين الثاني عام 1923- وكان أثره كبيرًا في ألمانيا؛ إذ أدّى الكساد إلى حدوث تضخُّم جامح في مستوى الأسعار بمقدار 20 مليارًا؛ فقد كانت الأسعار تتضاعف كل 28 ساعة، فعندما يرتبط وجود التضخم الجامح بالكساد فإنه يكون هناك زيادة كبيرة بكمية العرض النقدي، دون زيادة تقابلها بالعرض السلعي وهذا ينتج عنه عدم توازن بين العرض النقدي، والطلب النقدي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وفقدان العملة قيمتِها.

أما التضخم الجامح في وقت الحرب؛ فإنه ينشأ عندما يكون هناك عدم ثقة بالعملة المحلية، ونتيجة ذلك يطلب البائعون للعملة المحلية مبالغ إضافية ليقبلوا بها.

وأدّى هذا التضخم إلى انهيار الاقتصاد ووصول هتلر إلى السُّلطة، واعتقد كثير من الناس آنذاك أن الاشتراكية هي النظرية الاقتصادية التي ستكتسح العالم كله.

وفي الوقت نفسه كان على الأمريكان والحلفاء الذين يسيطرون على النصف الغربي من ألمانيا أن يتخذوا القرار حول أي منحًى اقتصادي يجب المضي به.

النّقلةُ النّوعيّةُ للاقتصادِ الألماني:

عندما كانت دولة ألمانيا الغربية في بداية تأسيسها، كان هناك نقاشات كبيرة حول الاتجاه الذي ستتخذه الدولة الجديدة فيما يتعلق بسياستها النقدية؛ إذ أرادت كثيرٌ من الأطراف بما فيها قاعدة القوى العاملة وأعضاء من الحزب الديمقراطي الاجتماعي أن يكون نظام الدولة الغربية نظامًا اقتصاديًّا تسيطر عليه الحكومة، ولكنّ رجلًا مُخضرمًا -حضر الحرب العالمية الأولى- يُدعى (لودووغ إرهارد) بدأ يكسب شهرة وأهمية كبرى مع القوات الأمريكية التي كانت تسيطر على ألمانيا في واقع الحال، وكان إرهارد شخصًا معروفًا جدًّا فقد عمِلَ باحثًا لمصلحة منظمة ركّزَت نشاطها على الأنشطة الاقتصادية لقطاع المطاعم، بينما كان يدرُسُ في كلية إدارة الأعمال.

وكتب إرهارد عام 1944 مقالةً جريئة مع استمرار سيطرة الحزب النازي على ألمانيا، ناقش فيها وضع ألمانيا المالي في حال خسر النازيون الحرب.

وصلت مقالته إلى الاستخبارات الأمريكية التي بحثت عنه، واستدعته فيما بعد، وعندما استسلمت ألمانيا عُيّنَ وزيرًا للمالية في بافاريا Bavaria ومن ثم تابع حصوله على الترقيات ليصبح مدير المجلس الاقتصادي لألمانيا الغربية المحتلة.

وعندما صار لإرهارد مكانًا سياسيًّا مؤثّرًا، بذل جهدًا في جوانب متعددة ليعيد اقتصاد ألمانيا الغربية إلى الحياة مجددًا، فقد أدى دورًا كبيرًا في تشكيل عملة جديدة طبعها الحلفاء؛ لتحل محلَّ (الرّايخ مارك) الذي أصبح بِلا قيمة، وأدى طرح العملة الجديدة إلى تخفيض كمية العملة المتوافرة لدى العامة بنسبة 93%؛ مما أدّى إلى تقليص حجم الثروة التي يملكها كل من الأفراد والشركات الألمانية، إضافة إلى منح تخفيضات ضريبية كبيرة في محاولة لتحفيز الإنفاق والاستثمار.

ثم اتُّفِق على إدخال العملة في 21 حزيران 1948، وفي خطوة مثيرة للجدل قرر إرهارد أن يُلغي ضبط الأسعار في اليوم نفسه، (ضبط الأسعار هي إحدى السياسات المالية التي تتَّبِعها الحكومات لكبح جماح الغلاء وارتفاع الأسعار وطمع التجار وتُستعمل أحيانًا لمحاربة التضخم).

وقد أدى قرار إرهارد هذا لانتقاده عالميًّا؛ إذ استُدعِي إلى مكتب الولايات المتحدة العام الذي يرأسه Lucius Clay القائد المشرف على النصف الغربي المُحتل من ألمانيا، وقد أخبره الأخير أن مستشاريه أخبروه أنّ السياسة الألمانية الجديدة العنيفة ستكون خطأ كبيرًا، فكانت إجابة إرهارد الشهيرة:

“لاتستمع إليهم أيها القائد، فالرجال الذين أستشيرهم يخبرونني الشيء نفسه”.

لكن إرهارد أثبت فيما بعد أنهم جميعًا كانوا على خطأ.

النّتائج:

عادت ألمانيا الغربية إلى الحياة بين ليلة وضحاها، فأصبحت المحلات تعج بالبضائع، وذلك عندما أدرك الناس أن العملة الجديدة لها قيمة، وقد توقفت المقايضة بسرعة وانتهت السوق السوداء وعادت الأسواق التجارية إلى العمل مجددًا، وعاد حافز العمل للناس.

وكان الألمان في عام 1948 يستهلكون قرابة تسع ساعات ونصف أسبوعيًّا في الحصول على الطعام والحاجات الأخرى، ولكن في تشرين الأول، وبعد أسابيع من إطلاق العملة الجديدة وتخفيض ضبط الأسعار انخفض هذا الرقم إلى ما يقارب الأربع ساعات أسبوعيًّا، وكان إنتاج ألمانيا الصناعي في حزيران قرابة نصف إنتاج عام 1936، وكان الرقمُ قريبًا من 80% عند نهاية السنة.

وساهم برنامج الانتعاش الأوربي -والمعروف بخطة مارشال (نسبة إلى وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال)- في إعادة ولادة ألمانيا.

وقد قدَّمت الولايات المتحدة بموجب هذا البرنامج 14 مليار دولار (أي قرابة 115 مليار دولار في عام 2008) للدول الأوربية التي تضررت من الحرب العالمية الثانية؛ إذ ذهبت حصة كبيرة من هذه النقود إلى ألمانيا، كونها أكبر المتضررين من الحرب، ولكن المفاجئ في الأمر هو ماتوصل إليه المؤرخون الاقتصاديون؛ إذ قدر بعضهم مساهمة خطة مارشال في إعادة ولادة ألمانيا بأقل من 5% فيما يتعلق بدخل ألمانيا القومي في ذلك الوقت!!

واستمرت ألمانيا الغربية بالنمو، وأصبح في عام 1958 إنتاج ألمانيا الصناعي أعلى بأربع مرات مما كان عليه قبل عقد من الزمن.

الخلاصة:

في وقت إعادة إعمار ألمانيا، كانت الأخيرة وسط حرب باردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي؛ فقد كانت ألمانيا الغربية حليفًا قويًّا لأمريكا، وكانت رأسمالية كثيرًا، مع أنّ الحكومة قد أدّت دورًا كبيرًا في المحافظة على السوق الحرة، بينما كانت ألمانيا الشرقية شيوعية، وكانت حليفًا قويًّا للاتحاد السوفيتي. وكان النظر إلى قسمي ألمانيا الشرقي والغربي جنبًا إلى جنب يُظهِر مقارنة واضحة بين نظامي الاشتراكية والرأسمالية في العالَم.

مع هذا فإنه لم يكن هناك مجال كبير للمقارنة، فقد كانت ألمانيا الغربية مزدهرة، بينما كان الجزء الشرقي منها على النقيض من ذلك، وقد أدى ضعف الاقتصاد في ألمانيا الشرقية، ونقص الحريات السياسية فيها إلى نشوء احتجاجات فيها، ومع وجود القوانين التي فُرِضَت للحد من السفر، ومغادرة القسم الشرقي، فقد كان هناك أعداد هائلة من المهاجرين، وسمحت ألمانيا الشرقية في تشرين الثاني من العام 1989 لأول مرة منذ عقود لعدد من سكانها السفر مباشرة إلى ألمانيا الغربية، وكان ذلك أحد التداعيات التي أدت إلى انهيار جدار برلين، وإعادة توحيد البلدين من جديد.

ولكن عودة الجزأين الشرقي والغربي من ألمانيا للتساوي من جديد يحتاج إلى وقت من الزمن؛ إذ حتى بعد توحيد الجزأين كانت الأجزاء الشرقية من ألمانيا تساهم فقط بـ 30% من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا الغربية، واليوم وبعد قرابة 20 سنة، مايزال إنتاج ألمانيا الشرقية يبلغ 70% من إنتاج ألمانيا الغربية، ولكن في عام 1948 لم يكن أي من هذه الأشياء ممكنًا، ولولا (وولتر يوكين) و(لودويغ إرهارد) لما تحقّق أيٌّ من هذا.

)دول المحور هي: ألمانيا وإيطاليا واليابان وعددٌ من الدول الأخرى تحت اسم دول المحور، ضد دول التحالف التي تترأسها بريطانيا وفرنسا، وانضمت الولايات المتحدة إليها في نهاية الحرب؛ لتقلب كفة الميزان لصالح الحلفاء(.

*السوق السوداء: هي النشاطات الاقتصادية التي تجري دون موافقة أو ترخيص حكومي، والعمليات التي تجري في السوق السوداء غالبًا تكون تحت الطاولة؛ إذ يتجنَّب المشاركون دفعَ الضرائب، أو ضبط الأسعار، والسوق السوداء أيضًا هي المكان الذي تباع المخدرات والأسلحة فيه على وجه غير قانوني. أما فيما يتعلق بالمتاجرة بالعملات في السوق السوداء: فإن ذلك يكون في الاقتصادات الضعيفة التي تحدث فيها معدلات تضخم عالية على سبيل المثال، وليس لديها احتياطيات نقدية كافية.

الإتجار بالبشر (شكل من العبودية المعاصرة)

الإتجار بالبشر (شكل من العبودية المعاصرة)

تمتد صناعة الإتجار بالبشر في جميع أنحاء العالم خاصًة في المناطق حيث تنشط القوة العاملة، وتستهدف هذه الصناعة الفئات المستضعفة المتضررة من الحرب والفقر والقمع، وتقدر عوائد صناعة الإتجار بالبشر قرابة 150 مليون دولار سنويًّا، ووفقًا لبعثة العدالة الدولية IJM هناك اليوم ما يقدر بنحو 35.5 مليون شخص محتجزين في العبودية ويمثل الأطفال ما يقدر بنحو 26 بالمئة من جميع ضحايا العمل القسري.

ما تعريف الإتجار بالبشر؟ وفقًا لقانون الولايات المتحدة لضحايا الإتجار ومنع العنف لعام 2000 هو الإتجار بالجنس الذي يحدث فيه فعل جنسي تجاري باستخدام القوة أو الاحتيال أو الإكراه أو عندما لا يتجاوز عمر الشخص الذي يحرض على أداء هذا الفعل الـ 18 عامًا، وهو كذلك تجنيد شخصٍ ما أو إيواءه أو نقله أو استخدامه في العمل عن طريق استخدام القوة أو الاحتيال أو الإكراه لغرض إخضاعه للاستعباد القسري.

كيف حافظ هذا العمل الرهيب على استمراريته وازدهاره بوصفه عملًا تجاريًّا مربحًا للغاية؟ 

نُشر حديثا سبب استمرار عملية الإتجار بالبشر ضمن دراسة حديثة أجرتها المؤسسة الخيرية Dasra؛ إذ تبين أن سبب الإتجار بالبشر هو الربحية الهائلة مع الحدّ الأدنى من المخاطر، وهذا ما يجعل من هذا النشاط (اللاأخلاقي) أحد أكثر الأعمال ربحًا في العالم، إذ إن هامش الربح الصافي يزيد على 70 بالمئة؛ إضافة إلى أنه من السهل وغير المكلف شراء الفتيات المستضعفات ونقلهن واستغلالهن.

هذا وينطبق الأمر نفسه على جميع الأعمال الشاقة؛ إذ إن الأرباح عالية والمخاطر منخفضة. 

الطلب على العمالة الرخيصة من أجل جني أرباح عالية يُبقي هذا الجهاز الاقتصادي قيد التشغيل، وكذلك انخفاض خطر الملاحقة الجنائية يجعل من الإتجار بالبشر عملًا مربحًا ويشجع على العمل في هذا المجال، ومن الصعب مقارنة صناعة الإتجار بالبشر بالأسواق العادية، وذلك يعود إلى أن اليد العاملة -الناس المتجر بهم- لا تُعدُّ مصدر عمالة مرغوب في الأسواق العادية.

العرض على الإتجار بالبشر:

ناقش المؤلف سيدهارث كارا في مقال له في المجلة الدولية لهارفارد الدور الذي يلعبه الاقتصاد الموارد الجانبية في استمرار الإتجار في البشر؛ فكتب: ” يتعزز الطلب على العبيد المتجر بهم عن طريق عوامل طويلة الأمد مثل الفقر والخروج عن القانون وعدم الاستقرار الاجتماعي والنزاع العسكري والكوارث البيئية والفساد والتحيز الحاد ضد الإناث والأقليات الإثنية”. 

تُمكِّن هذه العناصر مهربي البشر (تجار البشر) من التقاط عدد كبير من الفئات الضعيفة والإتجار بها ومن أكثر الفئات عرضة للإتجار هم المهاجرون. 

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي دُمِّر الاقتصاد وقد فشلت السياسات الاقتصادية الجديدة في إصلاحه تاركًة فراغًا في السلطة يسمح عن طريق للمنظمات الإجرامية بالنمو، وبما أن البطالة كانت مرتفعة جدًا فقد استُغِلت الفئات الضعيفة في المجتمع كالنساء اللاتي هاجرن إلى بلدان أخرى بهدف العثور على عمل؛ إذ ادعت بعض الشركات أنها توفر عروض عمل للنساء في بلدان أخرى، وبعد وصولهن أُجبِرن على العمل الاستعبادي واحتكار جوازات سفرهن من قبل الرؤساء العمل.

الطلب على الإتجار بالبشر: 

على الرغم من أهمية العرض في استمرار الإتجار بالبشر؛ فإن الطلب هو ما يدفع هذه الصناعة حقًّا، وتعود أسباب ارتفاع الطلب إلى إمكانية تحقيق أرباح عالية على الرغم من ارتفاع تكلفة الشراء؛ فإن تكاليف العمالة بعد ذلك تصبح معدومة. 

يوضح كارا أن العبيد يباعون اليوم بمتوسط عالمي يبلغ 420 دولار أمريكي ولكن من ناحية أخرى يستطيعون إنتاج من 300 إلى 500 بالمئة أو أكثر من العائد السنوي على الاستثمار ويتوقف ذلك على نوع الصناعة.

ومن الأسباب التي تزيد من الطلب أيضًا قلة المخاطر التي تمنع المتاجرين من بيع وشراء الأشخاص. 

وفقًا لمقال نشرته المنظمة الدولية للهجرة IOM عن مخاطر الإتجار ظهر أن هذه المخاطر أقل من مخاطر تجارة المخدرات والأسلحة غير المشروعة، وإذا كان هنالك عواقب فهي قليلة جدًّا وتكاد تكون معدومة، ولذلك من الصعب توقع إنخفاض الطلب على الأفراد المتاجر بهم خاصًة بالنظر إلى كمية الأرباح الهائلة.

في الاقتصاد يستجيب دائمًا العرض للطلب، ولهذا السبب من أجل إلغاء العرض يجب اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الطلب عن طريق زيادة التحقيقات والملاحقات القضائية.

الوظائف الأعلى أجرًا عام2019

الوظائف الأعلى أجرًا عام2019

من الممكن أن يكون التعرُّف إلى الوظائف الأعلى أجرًا حافزًا لتطوير المهارات وبذل جهد أكبر للوصول إلى أعلى الرواتب العالمية، فقد أصدرت شركة Glassdoor مؤخرًا تقريرًا عن الوظائف الأعلى أجرًا في العالم معتمدةً على خوارزميات إحصائيّة لتقدير متوسط الأجر السنوي، إضافةً إلى استخدام منهجيّات أُخرى لتحديد ذلك.

يصدّر كلّ من قطاعَيْ التكنولوجيا والرعاية الصحيّة هذه القائمة؛ إذ تحتل وظائف مديري الصيدليات وأطباء الأسنان والصيادلة المراتب الأولى، ويكسب كبار الأطباء والجراحين تقريبًا ضعف أجر الفئة الأولى، إضافةً إلى زيادة الطلب على الوظائف المتعلّقة بمجالات علاج السرطان والأمراض النادرة، لذا تُقدّم لهم رواتب جيدة جدًّا خاصًة لذَوِيْ المهارة.

يلي ذلك الوظائف ضمن مجال التكنولوجيا؛ إذ تبيّن أنّ الوظائف المتعلّقة بهندسة البرمجيّات هي من أعلى الأجور، ومع ذلك يوجد نقص حاد في هذا التخصص، ونجد أنّ بعض الوظائف نمت بسرعة في الفترة السابقة لتأخذ مراتب عالية في التصنيف؛ مثل علماء البيانات ومهندسي البيانات ومُديري التحليل، وازداد الطلب على هذه الوظائف لاستخراج المعلومات والتحليلات المفيدة من البيانات التي جُمعت بهدف اتخاذ قرارات مناسبة.

ومن الوظائف الأعلى أجرًا أيضًا؛ الهندسة الكهربائية والهندسة الميكانيكية، وخاصًة في دول غرب أوروبا، ويُعدُّ المحامون من أعلى الوظائف أجرًا في الولايات المتحدة الأمريكية.

غالبًا ما يُهمَل مجال المبيعات ضمن التصنيفات، لكن في عام 2019؛ حقق مندوبو المبيعات نسبةً عالية في التصنيف، خاصًة مندوبي مبيعات أنظمة التكنولوجيا المتطورة.

بالطبع هذه التصنيفات لا تُلغي إطلاقاً إمكانية المجالات الأخرى من تحقيق أجور عالية، لكن في الغالب الأمر يعتمد على مهارات وإمكانيات الموظف في وصوله للمستوى الذي يمكنه من كسب أجور مرتفعة.

أثر المزاحمة (Crowding out effects)

أثر المزاحمة (Crowding out effects)

أثر المزاحمة هو نظرية اقتصادية تقول بأن الارتفاع في إنفاق القطاع العام يؤدي إلى انخفاض في الإنفاق الخاص أو حتى إلغائه في بعض الأحيان . ويكمن السبب الرئيس وراء المزاحمة في تقليل العجز الحكومي؛ إذ تقترض الحكومة من السوق لسدِّ هذا العجز، فيزداد الطلب على الاستثمار في السوق وتزداد تلقائياً قيمة الأموال في السوق ويزيد معدل الفائدة .

العلاقة بين أسعار الفائدة والقروض عكسية، فبمجرد زيادة سعر الفائدة يقل الطلب على القروض والعكس صحيح؛ بمجرد حدوث زيادة على معدل الفائدة تقل قدرة رجال الأعمال على الاقتراض ما يؤدي إلى التوقف عن خطط التوسع والنمو، فتمتص الحكومة الأموالَ المتداولة من السوق تاركةً وراءها تأثيراً كبيراً .

تقترض الحكومة من السوق من خلال إصدار سندات وضمانات، وبخلاف ذلك هناك أيضاً المدخرات الإلزامية على شكل صناديق التقاعد وغيرها. فعند توزيع هذه السندات في السوق يميل الناس إلى الاستثمار فيها؛ بسبب تصنيفها الائتماني العالي مقارنة بالقطاع الخاص؛ إذ إنّها أقل خطراً؛ ما يسبب انخفاض الاستثمار في السوق الخاصة . ومن الممكن أن تأخذ المزاحمة شكلاً آخر عندما تموّل الحكومة مشاريعَ تطوير البنية التحتية؛ ما يسبب تثبيط عمل الشركات الخاصة في المنطقة نفسها من السوق وهو الأمر الذي يجعلها غير مرغوبة أو حتى غير مربحة مسببةً التأثير نفسه .

تعمل الحكومة أيضاً على فرض زيادة على معدلات الضرائب، وفي هذه الحالة تقل مدخرات الأفراد في السوق؛ مما يخفض من الأموال المستثمرة في السوق، وتتحول الضرائب إلى أموال تستخدمها الحكومة على الإنفاق العام. بمعنى آخر تسحب الأموال من جيب السوق الخاص إلى خزينة الحكومة، ومع ذلك يبقى أصحاب المشاريع الخاصة في حيرةٍ من أمرهم؛ لأنّه عندما يكون العرض أقل من الطلب ترتفع الأسعار في النهاية .

نُوقِش أثر المزاحمة بأشكال مختلفة أكثر من مئة عام، وقد اعتقد الناس بدايةً أن رأس المال محدود ومحصور في كل دولة على حدة، وهو فعلاً ما كان عليه الحال إلى حدّ كبير؛ بسبب انخفاض حجم التجارة الدولية مقارنة بالوقت الحالي. وفي هذا السياق يمكن ربط زيادة الضرائب على مشاريع الأشغال العامة والإنفاق العام ارتباطاً مباشراً بتخفيض القدرة على الإنفاق الخاص داخل بلد معين نظراً إلى توفر أموال أقل .

ولكن العديد من نظريات الاقتصاد الكلي ترى أن الاقتصاد الحديث يعمل بدرجة أقل بكثير من إمكانياته، وهذا ما قد يُمَكِّن الاقتراض الحكومي من زيادة الطلب فعليّاً عن طريق توفير فرص العمل؛ وبذلك تحفيز الإنفاق الخاص أيضاً. وقد اكتسبت هذه النظرية رواجاً بين الاقتصاديين في السنوات الأخيرة بعد الإشارة إلى أنّه في خلال فترة الركود الكبير كان للإنفاق الهائل -من جانب الحكومة الفيدرالية على السندات والضمانات- تأثير فعّال في خفض أسعار الفائدة .

لا يتوقف أثر المزاحمة في الاقتصاد فقط، بل يتعدى ذلك إلى الرفاه الاجتماعي أيضاً؛ إذ يمكن أن تسبب المزاحمة رفاهية اجتماعية ولو كان على نحو غير مباشر؛ فعندما ترفع الحكومة الضرائب من أجل إدخال برامج الرفاه الاجتماعي أو توسيعها، يحصل الأفراد والشركات على دخل تقديري أقل مما يؤدي إلى انخفاض في المساهمات الخيرية. وفي هذا الصدد، يمكن لنفقات القطاع العام على الرفاه الاجتماعي أن تقلل من منح القطاع الخاص للرفاه الاجتماعي، وبذلك يُعوض إنفاق الحكومة .

ربما لا يُظهر أثر المزاحمة تأثيراً قويّاً في السوق، وقد لا يؤثر مطلقاً في الاقتصاد، في حال كانت زيادة القروض الحكومية غير عدوانية وظروف السوق الاقتصادية مواتية، فالتأثير سيكون خفيفاً في قروض القطاع الخاص. ويمكننا القول إن زيادة الإنفاق الحكومي تشمل مجموعة من الإيجابيات والسلبيات، فعلى الرغم من أن الحكومة تنفق على الرفاهية العامة إلا أن القطاع الخاص يعاني هذه الصفقة .

الرأسمالية بين كارل ماركس وماكس فيبر

الرأسمالية بين كارل ماركس وماكس فيبر

تطورت الرأسمالية منذ بداية الوجود البشري، وأخذت أشكالاً عدة في خلال عملية التطور، مما ولّد اختلافاً بين المفكرين عن هذا النظام الاقتصادي. الرأسمالية بوصفها تعريفاً هي نظام اقتصادي يعتمد على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج خاصةً في القطاع الصناعي.

كارل ماركس من أشهر الاقتصاديين الذين درسوا الرأسمالية بوصفه نظاماً اجتماعياً واقتصادياً، وقد اشتهر بنظريته عن الرأسمالية والشيوعية(2). وضع عديداً من الكتب مثل “رأس المال والبيان الشيوعي” و”مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي” التي درس فيها مفهوم المادية والرأسمالية. تحمل هذه الكتب شهادات على معتقداته، أهمها الاعتقاد أنّ تطور الرأسمالية عبارة عن عملية تدريجية ترجع أصولها إلى الوقت الذي عاش فيه الإنسان حياةً بدويةً، وتدريجياً تطور هذا الإنسان وبدأ بتنظيم نفسه في وحدات صغيرة، وفي خلال هذه الفترة بدأ الاعتماد على الزراعة، وهنا كانت بداية ظهور عدم المساواة، ولاحقاً ظهور نظام إقطاعي يشجع الناس إما على امتلاك الأراضي وإما على استغلالها من قبل الأمراء الإقطاعيين.

لم يكن التجار يمتلكون أهمية أو سلطة في ذلك الوقت بسبب هيمنة الأثرياء على الأراضي وإنتاجيتها، لكن بعد فترة انتقلت السلطة من السادة الإقطاعيين إلى التجار الذين هاجروا إلى المدن وتولوا ملكية وسائل الإنتاج، وهنا كانت بداية ظهور الرأسمالية بوضوح. هذا الاعتقاد هو أساس نظريته “المادية التاريخية” التي تفترض أنه في أي وقت من الأوقات يكون المجتمع مرتباً بحسب نوع التكنولوجيا المستخدمة في عملية الإنتاج.

ذكر كارل ماركس عدداً من نتائج الرأسمالية أهمها عزل العمال عن المنتج؛ إذ يحصل العمال على أجور منخفضة جدّاً تفقدهم القدرة على الاستهلاك، وتركزت الأرباح والفوائد في يد الملاك فقط. وقد عدَّ ماركس أيضاً أن الرأسمالية أجبرت العمال على التخصص من خلال تقسيم العمل؛ ما أفقدهم قدراتهم الإبداعية، والأهم من ذلك زيادة الفروقات وتوسيع الاختلافات الطبقية بين الناس التي كانت موجودة في الأصل.

عدَّ كارل ماركس الرأسمالية نتيجة لزيادة الوعي عند بعض الأشخاص الذين قرروا تحسين ظروفهم من خلال استخدام الوسائل التي يرونها مناسبة، ورأى أن العلاج الوحيد لهذه الفوضى الرأسماليّة هو الاشتراكية التي من شأنها أن توازن بين القدرة على الإنتاج والحاجة إلى الاستهلاك .

أما ماكس فيبر فقد تحدث عن الرأسمالية من منظور مختلف تماماً من خلال كتابه “أخلاق البروتستانت وروح الرأسمالية”؛ فقد ألَّف هذا الكتاب في الوقت الذي كان فيه الحزب الاشتراكي الديمقراطي متأثراً بالآراء الماركسية، ويحاول إحداث ثورة في ألمانيا من خلال التخلص من الانقسامات داخل المجموعة. وأكدّ فيبر أن الرأسمالية ليست النظام الأفضل، إلا أنه افترض أن الثورة ليست هي الحل المناسب للرأسمالية. وعلى الرغم من ذلك لم يقترح فيبر أي بديل عن الرأسمالية؛ فقد كان تركيزه على القضية فقط على عكس كارل ماركس، وكانت رؤيته أن انتصار روح الرأسمالية الحديثة يتطلب التخلي عن الأبعاد الفاوستية للأنواع البشرية.

رفض ماكس فيبر المادية التاريخية التي اقترحها ماركس وعدَّ الرأسمالية نتيجة الأخلاق البروتستانتية التي شجعت الناس على العمل وإعادة الاستثمار، فقد كانت رغبة البشر تكمن في تجميع الثروة والتكديس بدلاً من الإنفاق لاعتقادهم أن هذا هو مصيرهم ومقدر عليهم احترام إرادة اللّه، إضافة إلى أنه تجاهل استغلال طبقة البروليتاريا وكان تعاطفه معدوماً تقريباً، ورفض الشك بأيّ توسع استعماري، في حين كان هدف كارل ماركس الأساسي هو الطبقة العاملة. ما لم يفهمه فيبر هو هيمنة قيمة التبادل على الأنشطة البشرية على عكس كارل ماركس، فآليات التثمين والآليات المدونة في بورصة السلع الأساسية تؤدي إلى تحويل العلاقات الاجتماعية إلى نقود.

لقد توقع كارل ماركس انتفاضة من شأنها أن تلغي الرأسمالية نتيجة للظروف الاقتصادية التي عاصرها، في حين عاش ماكس فيبر في فترة من النضج الاقتصادي، وشهد ذلك تطوراً دون أية ثورة، وهذا قد يكون سبب اختلاف نهج كل منهما.

موجز عن تاريخ “البلوكتشين” Blockchains

موجز عن تاريخ “البلوكتشين” Blockchains

إنَّ العديدَ من التقنياتِ التي ننظرُ إليها الآن على أنَّها تقنيَّاتٌ مَفروغٌ من وجودِها كانتْ في الحقيقةِ ثورةً ضخمةً في الوقتِ الذي اكتُشِفتْ فيه، ففي الماضي مثلاً؛ عندما كانَ الشخصُ يغادرُ مكتبَه أو بيتَه كانَ من الصعبِ الوصولُ إليه والتحدثُ معَه؛ لأنَّ الهاتفَ مرتبطٌ بالمكانِ، وأمَّا الآنَ  – بعدَ اختراعِ الهواتفِ المحمولةِ والذكيَّةِ – أصبحَ كلُّ شيءٍ مختلفٌ حتى طريقةُ حياتِنا وعملِنا، إذْ يمكنُ إنجازُ أعمالٍ كثيرةٍ بواسطةِ الهاتفِ فحسب، ومن المعروفِ أنَّ الهواتفَ الذكيةَ ظهرتْ في السنواتِ العشرِ الماضيةِ فقط!

فنحنُ الآنَ، نشهدُ ثورةً ضخمةً أخرى وهي “البلوكتشينز” Blockchains ، والبلوكتشين: هي قاعدةُ بياناتٍ ضخمةٌ تحافظُ باستمرارٍ على قائمةٍ متزايدةٍ من السجلَّاتِ المطلوبةِ والتي تُدعَى “بلوكس” Blocks.

لنراجعُ ما حدثَ خلالَ السنواتِ العشرِ الماضيةِ:

أولُ ابتكارٍ رئيسيِّ للبلوكتشين: كانَ العملةَ الرقميةَ المعروفةَ باسمِ “بتكوين” Bitcoin، وتتراوحُ القيمةُ السوقيةُ للبتكوين الآن بين 10-20 مليارَ دولارٍ، وتُستخدَمُ في الدفعِ من قِبلِ ملايينَ الأشخاصِ متضمّنةً أسواقَ التحويلاتِ الكبيرةِ والمتزايدةِ.

الابتكارُ الثاني: أُطلِقَ عليه اسمُ البلوكتشين، وكانَ متمثِّلاً في إدراكِ أنَّ التكنولوجيا التي تعملُ بها البيتكوين يمكنُ فصلُها عنِ العملةِ واستخدامِها في جميعِ أنواعِ المعاملاتِ التي تحدثُ بينَ المنظماتِ؛ وتُجرِي جميعُ المؤسساتِ الماليةِ الأساسيةِ في أنحاءِ العالمِ بحوثًا عن البلوكتشين، ومن المتوقع أن تُستخدَم هذه التقنيةُ من قِبَلِ 15% من البنوك في عام 2017.

سُمِّيَ الابتكارُ الثالثُ: بـ “العقد الذكي” Smart Contract، وهوَ متجسدٌ في نظامِ الجيلِ الثاني من البلوكتشين الذي يُدعى “إثيريوم” Ethereum، والعقودُ الذكيةُ: هي عقودٌ ذاتيةُ التنفيذِ؛ إذ تكونُ شروطُ الاتفاقِ بينَ البائعِ والمشتري مكتوبةَ مباشرةً على خطوطِ الشيفراتِ الخاصةِ بها، وتوجدُ هذهِ الشيفراتُ والاتفاقاتُ الواردةُ فيها على شبكةِ بلوكتشين لامركزيةٍ، وتملكُ منصةُ إثيريوم للعقدِ الذكيِّ حالياً قيمةً سوقيةً تُقدَّرُ بقرابةِ مليار دولار؛ مع وجودِ المئاتِ من المشروعاتِ المتجهةِ إلى السوقِ.

الابتكارُ الرابعُ: والذي يُمثِّلُ التطوُّرَ الأكثرَ حداثةٍ في تكنولوجيا البلوكتشين يُدعَى “دليلَ المُلكيةِ” Proof of Stake، فالجيلُ الحاليُّ من البلوكتشينز محميٌّ بــ “دليلِ العملِ” Proof of Work، والذي تتخذُ المجموعةُ – التي تمتلكُ أكبرَ قدرةٍ كليةٍ حاسوبية – القراراتِ بواسطتِه، وتُدعى هذه المجموعات “miners”، وهي تعملُ في مراكزِ بياناتٍ واسعةٍ لتأمينٍ هذه الحمايةِ، وتحصلُ في المقابلِ على مدفوعاتٍ من العملاتِ المشفرةِ Cryptocurrency Payment، وتلغي النظمُ الجديدةُ مراكزَ البياناتِ هذهِ وتستبدلُها بأدواتٍ ماليةٍ معقدةٍ لها درجةُ الحمايةِ ذاتِها وحتَّى أعلى منها، ومن المتوقعِ أنْ تبدأَ أنظمةُ دليلِ المُلكيةِ بالعملِ في وقتٍ لاحقٍ هذا العام.

الابتكارُ الخامسُ: الذي يلوحُ في الأفقِ يُسمَّى “تحجيمُ البلوكتشين” Blockchain Scaling، ففي عالمِ البلوكتشين الآنَ؛ فإنَّ كلَّ حاسوبٍ على الشبكةِ يعالِجُ كلَّ معاملةٍ؛ مما يؤدّي إلى البطءِ، والبلوكتشين المُحجَّم scaled blockchain يُسرِّعُ من هذه العمليةِ دونَ التضحيةِ بالأمانِ؛ وذلكَ عن طريقِ معرفةِ عددِ الحواسيبِ اللازمةِ للتحقُّقِ من صحّةِ كلِّ معاملةٍ وتقسيمِ العملِ بينَ الحواسيبِ بكفاءةٍ، وإنَّ تحقيقَ ذلكَ دونَ المساسِ بدرجةِ الأمانِ العاليةِ والمتانةِ التي يتمتعُ بها البلوكتشين قدْ يكونُ مَهمَّةً صعبةً؛ ولكنَّها لنْ تكونَ مستحيلةً، ومنَ المتوقَّعِ أنْ يكونَ البلوكتشين المُحجَّمُ سريعاً بما فيهِ الكفايةُ لينافسَ وسطاءَ الدفعِ الرئيسيينَ الحاليينَ منَ العالمِ المصرفيِّ (فيزا VISA وسويفت SWIFT).

وكلُّ ما ذُكرَ يُمثِّلُ عشرَ سنواتٍ فقطْ من عملِ مجموعةِ النُّخبةِ من علماءِ الكمبيوتر – المُشفِّرين والرياضيين –  فعندما تَصِلُ الإمكانياتُ الكاملةُ لهذهِ الابتكاراتِ إلى المجتمعِ؛ فمن المؤكدِ أنَّ عديداً من الأمورِ ستتغيرُ وستصبحُ غريبةً علينا؛ فالسياراتُ والطائراتُ ذاتيةُ القيادةِ سوفَ تَستخدِمُ البلوكتشينز للدفعِ مقابلَ الخدماتِ مثلَ الدفعِ لمحطاتِ الشحنِ ومنصاتِ الهبوطِ، وسوف تستغرقُ تحويلاتُ العملاتِ الدوليِة ساعةً بدلاً من عدةِ أيامٍ، وقد تستغرقُ عدةِ دقائقَ فقط، ومع درجةِ موثوقيةٍ أعلى مما يقدمُه النظامُ الحاليُّ.

وسوف تُسبِّبُ هذهِ التغيراتُ وغيرُها انخفاضاً كبيراً في تكاليفِ المعاملاتِ، وعندما تنخفضُ هذه التكاليفُ على نحوٍ ملحوظٍ سيكونُ هناكَ اتفاقاتٌ واعتراضاتٌ مفاجئةٌ وكبيرةٌ ولا يمكنُ التنبؤُ بها من قِبَلِ نماذجِ الأعمالِ الحاليةِ؛ فمثلاً؛ كانتِ المزاداتِ محليةً وضيقةً قبلَ أنْ تصبحَ عالميةً مع وجودِ المواقعِ الإلكترونيةِ مثلَ eBay  إذْ حدثَ تغيرٌ كبيرٌ ومفاجئٌ في النظامِ نتيجةً لانخفاضِ تكلفةِ الوصولِ إلى الأشخاصِ، فمنَ المتوقعِ أنْ يُحدِثَ البلوكتشين تغيراتٍ مماثلةً كما فعلتِ التجارةُ الإلكترونيةُ منذُ اختراعِها عامَ 1990.

وفي الحقيقةِ؛ يَصعُبُ التنبُّؤُ بالاتجاهِ الذي ستؤولُ إليهِ الأمورُ؛ فهلْ توقَّعَ أحدٌ ظهورَ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ؟ وهل كانَ من المتوقعِ استبدالُ الوقتِ الذي كنَّا نقضيه في مشاهدةِ التلفاز بقضائه متتبّعينَ وسائلِ التواصلِ كما هو الآن؟ فعادةً ما يبالغُ المتنبؤونَ بتقديرِ سرعةِ حدوثِ شيءٍ ما ويقللونَ في تقديرِ الآثارِ طويلةِ الأجلِّ، ولكنَّ الحجمَ الكبيرَ في صناعةِ البلوكتشين أنبأنا أنَّ التغيراتِ القادمةَ ستكونُ كبيرةً كما كانتْ عندَ اختراعِ الإنترنتْ نفسِه، وهذا الأمرُ قدْ لا يكونُ مبالغًا فيه، ويمكنُ القولُ بأنَّه مع ازديادِ عددِ الأفرادِ الذينَ يعملونَ به سوفَ يمتدُ البلوكتشين ليشملَ كلَّ شيءٍ، وبالنظرِ إلى ما وصلَ إليهِ في عشرةِ أعوامٍ، فإنَّ المستقبلَ يمكنُ أنَ يصلَ أسرعَ ممَّا يتوقَّعُه أيُّ شخصٍ.

وحتى عامِ 1990؛ كانَ من المستحيلِ استخدامُ بطاقةِ الائتمانِ على نحوٍ آمنٍ على الإنترنت، ولم تكُنِ التجارةُ الإلكترونيةُ موجودةً ببساطةٍ؛ فما مدى سرعةِ إحداثِ البلوكتشين تغييرًا ثوريًّا آخرَ؟

لِننظُرْ إلى إستراتيجيةِ بلوكتشين دبيّ وهو إصدارُ جميعِ الوثائقِ الحكوميةِ على البلوكتشين بحلولِ عامِ 2020 مع مشروعاتٍ أوليةٍ كبيرةٍ أُعلِنَ عنها في بدايةِ هذا العامِ، ويستندُ مفهومُ “إنترنت الاتفاقاتِ” Internet of Agreements الذي عُرضَ في قمةِ الحكومةِ العالميةِ إلى هذهِ الإستراتيجية والتي تهدفُ إلى تحقيقِ تحوُّلٍ كبيرٍ في التجارةِ العالميةِ باستخدامِ البلوكتشينز من أجلِ التخلصِ من بعضِ الصعوباتِ التي سبَّبها خروجُ بريطانيا من الاتحادِ الأوروبيِّ Brexit والانسحابُ الأمريكيُّ الأخيرُ من شراكةِ المحيطِ الهادي؛ فهذهِ الخُططُ الطموحةُ تحتاجُ إلى إثباتها عملياً، ولكنَّ التوقعاتِ في دبيّ أنَّ كلّاً من الانخفاضِ في التكاليفِ ومزايا الإبداعِ سوف يُبرّران تكلفةَ التجريبِ.

ووفقاً لــ Mariana Mazzucato؛ فإنَّ الابتكارَ في البنيةِ التحتيةِ غالباً ما يكونُ في يدِ الدولةِ، ويبدو أنَّ ذلكَ ينطبقُ على البلوكتشين أيضاً.

تأثير فيروس كورونا على الاقتصاد

تأثير فيروس كورونا على الاقتصاد

مع تزايد أعداد المصابين بفيروس كورونا -الذي انتشر منذ فترة قريبة في الصين والمناطق المجاورة لها- وفرض الحكومة الصينية الحجر الصحي، يتناقص طلب المواطنين للمنتجات والخدمات، كذلك يتناقص العرض في بعض المناطق نتيجةَ الحجر الصحي وتوقف العديد من المصانع عن العمل.

شهد اليوان الصيني انخفاضًا كبيرًا مقابل الدولار الأمريكي بسبب المخاوف المتزايدة في الأسواق المالية من تدهور التوقعات الاقتصادية للصين على المدى القريب بسبب تأثير وباء فيروس كورونا ، وسببت المخاوف وضعف المعنويات انخفاضَ الطلب المتوقع من الصين على النفط والمواد الخام مسبّبًا انخفاضًا في أسعار النفط .

وقد أُغلِقت المصانع والمتاجر والمكاتب في معظم المقاطعات الصينية خاصًة في أكثر المناطق تأثرًا ب فيروس كورونا ؛ مثل مقاطعة هوبي، وسبّب ذلك تعطلًا في الإنتاج الصناعي خلال الربع الأول من عام 2020؛ مما أدى إلى حدوث صدمة كبيرة لسلسلة الإيرادات الصناعية الآسيوية؛ إذ تراجعت الطلبات على السلع والمواد الخام من الصين .

إن شدة تأثُّر الاقتصاد الصيني بفيروس كورونا تتوقف على قدرة الحكومة الصينية على احتواء هذا الفيروس وتطبيق السياسات المناسبة للتخفيف من حدة هذا التأثير، وتشير الاعتقادات إلى أنه من الممكن أن يكون هذا التأثير مؤقتًا ولا سيما إذا استطاعت الصين تعويضَ الخسائر في النصف الثاني من العام عن طريق رفع معدل النمو، ومن ثم سيكون التأثير الكلي في النتاج الإجمالي المحلي السنوي محدودًا ويُقدّر بـ1-2 بالمئة فقط .

وحاولت الحكومة الصينية مؤخرًا التخفيفَ من أثر الصدمة الاقتصادية للفيروس عن طريق استخدام السياسة النقدية؛ إذ إنّ بنك الشعب الصيني PBOC ضخَّ 1.2 ترليون يوان صيني في السوق بواسطة اتفاقيات إعادة الشراء العكسية “الريبو”، وهي عبارة عن شراء الأوراق المالية بالاتفاق على إعادة بيعها بسعر أعلى في المستقبل . ولكن؛ في حال بقاء معنويات المستهلكين منخفضة وازدياد الخوف من انتقال المرض إلى مناطق أخرى وعدم التأكد من شدة تفشي المرض، فمن الممكن أن تكون النتائج غير مرضية مع ارتفاع التأثيرات السلبية .

في عام 2003، عانت الصين تفشيَ فيروس السارس وكان له آثارٌ سلبية في الاقتصاد الصيني، ولكن؛ لم ينتج عنه نتائج سلبية في الطاقة الإنتاجية، واستطاعت الصين تحقيق الانتعاش الاقتصادي بعد فترة وجيزة .

وفي حال عدم قدرة الصين على احتواء الفيروس، فمن الممكن أن يؤثر الفيروس في الاقتصاد العالمي، وذلك يعود إلى عدة أسباب؛ أوّلها أنّ الصين تملك حصة كبيرة جدًّا في الاقتصاد العالمي؛ إذ إنها تمثّل أكثر من 20 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي العالمي، إضافة إلى أنها تمثّل أكثر تشابك في الاقتصاد العالمي من قبل؛ إذ إنّ حركة النقل الجوي الدولي في الصين تبلغ قرابة 55 مليونًا .

فضلًا عن ذلك، يمثل السياح الصينيون جزءًا كبيرًا من السياحة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ومن ثم سيؤدي حظر السفر المفروض على الزوار الصينيين وإلغاء العديد من الرحلات الدولية المتجهة للصين إلى الانهيار التام للسياحة الخارجية الصينية على المدى القريب وتأثر اقتصادات الدول التي تعتمد على السياحة الصينية على نحو سلبي.

كذلك تُعدّ الصين جزءًا رئيسيًّا من سلاسل القيمة العالمية، وفي حال عُطِّلت فيمكن أن يكون لها تأثيرٌ كبير في الشركات الدولية . علمًا أن العديد من الشركات الأجنبية المتعددة الجنسية -مثل Apple وStarbucks- شهدت انخفاضًا كبيرًا في إيراداتها نتيجة الإغلاق المؤقت في الصين بسبب الوباء .

أمّا السبب الأخير فهو أنّ الصين اليوم أكثر عرضة للخطر بسبب ارتفاع ديونها عن السابق نتيجةَ النمو الاقتصادي المتباطئ والتوترات التجارية مع شريكها التجاري الرئيسي “الولايات المتحدة”، خاصةً أنّ آخر الاتفاقيات بينهما تنص على زيادة واردات الصين من السلع الأمريكية بنسبة 2 مليار دولار خلال العامين القادمين، وهناك شكوك في استخدام الصين الوباء عذرًا للتهرب من الاتفاق .

وغالبًا ما سيكون التأثير أكثر ضررًا في القطاعات التي تزودها مدينة ووهان الصينية بالمعدات البحرية والمواد الكيميائية. ولكن؛ مع النمو الاقتصادي العالمي المتباطئ، يشكل الفيروس خطرًا كبيرًا على الاقتصاد ومن الممكن أن يسبب حدوث ركود عالمي، ولذلك؛ يجب على البنوك المركزية في الأسواق المتقدمة إجراء مزيدٍ من الأعمال فيما يخص التحفيز .

وأخيرًا؛ هل سيترك وباء فيروس كورونا بصمةً دائمة في الاقتصاد الصيني والاقتصاد العالمي في حال الانتشار؟

يحدث الضرر الاقتصادي الدائم عند حدوث صدمة في جانب العرض في الاقتصاد؛ مما يعني تأثُّر أحد عوامل العرض (رأس المال والعمالة والتكنولوجيا). وكمثال سابق عن تأثر العمالة؛ عندما تعرّضت الولايات المتحدة لوباء الإنفلونزا الإسبانية، سبب ذلك انخفاضًا في عدد السكان العاملين بمقدار نصف مليون في سنة واحدة.

ويمكن أن يحدث الضرر الدائم إذا انخفضت مستويات رأس المال لكل عامل أو تدمّر رأس المال. وفي حال إفلاس القطاعات غير المالية المثقلة بالديون في الصين نتيجة الحجر الصحي، فسيتأثر العرض على نحو كبير لأن هذه الشركات تعتمد على نمو اقتصادي مرتفع للوفاء بالالتزامات.

قد تساعد الحكومة الشركات عن طريق السماح للبنك المركزي بضخ سيولة في الأسواق؛ لكنّ ذلك قد يسبب تضخمًا أعلى وفقدان اليوان الصيني قيمته. وفي حال تأثرت حركة رأس المال البشري -إضافة إلى انخفاض معنويات المستثمرين الأجانب وانخفاض التبادل على فترة طويلة- فيؤثر ذلك سلبًا في التكنولوجيا ونمو الإنتاجية .

معجزة نمور آسيا الاقتصادي

معجزة نمور آسيا الاقتصادي

ثمانية دول في شرق آسيا – اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة وتايلاند وماليزيا وإندونيسيا – أصبحت تُعرف باسم ” المعجزة الاقتصادية لشرق آسيا ” بسبب النمو الهائل لاقتصاداتها بعد أن كانت معدلات نموها غير مرئية في السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي .

لتفسير التنمية الاقتصادية غالبا ما تكون نقطة الانطلاق كتابَ “ثروة الأمم” الذي وضعه آدم سميث والذي يفسر كل نمو اقتصادي حديث تقريباً، ويفترض الكتاب أن تطور التجارة وتقسيم العمل يؤديان إلى النمو الاقتصادي.

نسب سميث النمو الاقتصادي الى الطبيعة البشرية التي تميل نحو زيادة الثروة، يجادل بأنه يجب ألا يكون هناك أيّة تدخلات، ولا حتى تدخل الدولة، مما يعطل السوق. بمعنى آخر، جعل “اليد الخفية” للسوق تنظم نفسها  فيحدث النمو الاقتصادي. مع ذلك نجد أنَّ تجارب النمو الاقتصادي السريع في شرق آسيا تتناقض مع نظرية سميث.

اليد الخفية للسوق أو اليد المرئية للدولة؟

إن المراجعة السريعة  للنمو الاقتصادي الهائل لمطوري القرن العشرين، وتحديداً اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، تكشف بوضوح -على عكس تأكيد سميث- أن النمو الاقتصادي في تلك البلدان كان بسبب تدخل الدولة. ولم تكن “اليد الخفية” للسوق هي التي أشعلت النمو السريع في تلك البلدان بل “اليد المرئية” للدولة، التي وجهت تدفق رأس المال إلى الصناعات التي اعتقدت الدولة أنها الأكثر إنتاجية.

ولولا تدخل الدولة القوي، لما كان التصنيع الضخم ممكنًا في الاقتصادات الصناعية العملاقة بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً ألمانيا واليابان، وفي الآونة الأخيرة شرق آسيا.

لم توفر الدولة للمطورين المتأخرين فقط ظروفًا للاقتصاد الكلي تفضي إلى تراكم رأس المال والديناميكية الاقتصادية، بل سعت أيضًا إلى الحدِّ من المخاطر التي تتعرض لها الشركات المحلية من خلال أحكام مختلفة من الإعانات مثل الائتمان الرخيص والضرائب المنخفضة أو بدون ضرائب، فضلاً عن الدعم في المعدات والآلات.

أكدت الدراسات أن النجاح في اقتصادات كوريا الجنوبية وتايوان لم يكن بسبب إخلاصهم “للتدخل من غير الدول”، بل اعتمادًا على التخطيط الصناعي التدخلي بشدة والتلاعب الكوري والتايواني بنشاط التجارة وأسعار الصرف وحماية الأسواق المحلية بشدة ضد المنافسة الأجنبية بينما كانت صناعاتهما تتطور.

هذا يطرح التساؤل الآتي: إذا كانت هذه هي السياسات الاقتصادية نفسها التي نُفِّذت في جميع أنحاء العالم النامي، فلماذا نجحت هذه السياسات في شرق آسيا، لكنها فشلت في أي مكان آخر؟ للإجابة على هذا السؤال، يجب على المرء أن يفحص معايير الدولة في تلك التجارب الناجحة للتنمية الاقتصادية.

 إنّ السياسة الصناعية الناجحة تتطلب من الدولة أن تنسّق الأنشطة الاقتصادية لتعزيز الأداء الصناعي. 

في كل من كوريا الجنوبية وتايوان، كانت الدولة قادرة على “استخراج الأداء” من الشركات المحلية في مقابل الدعم المالي والحماية اللذين وُضِعَا تحتَ تصرفهم.

 في العديد من البلدان النامية، عُومِلَتِ الإعانات المقدمة للصناعات المحلية على أنها “هدايا” دون المطالبة بأداء أعلى من حيث الجودة والقدرة التنافسية؛ في المقابل، كانت الدولة في شرق آسيا قادرة على وضع معايير أعلى وطلب معايير أعلى من الصناعات المحلية. فالإعانات القائمة على الأداء الخاضع للمراقبة هي الأكثر فعالية. وتميزت نمور شرق آسيا بقدرتهم على المطالبة بالأداء في مقابل الحصول على الدعم المالي وحماية السوق. 

 إن الفكرة الكاملة لتدخل الدولة مستمدة من حقيقة أنه ببساطة لا يمكن للصناعات المحلية دمج السوق العالمية والازدهار باستقلالٍ ضد الشركات القائمة على نحوٍ أكثر تحديداً، في حين أن الشركات الموجودة بالفعل في السوق العالمية تتمتع بمزايا مختلفة مثل الروابط مع الشبكات التجارية، وعلى النقيض من ذلك، تجد الشركات القادمة حديثًا صعوبة بالغة في التنافس معها بسبب حواجز السوق العنيدة. ونتيجة لذلك، تأخذ الدولة على عاتقها التدخل من أجل تأمين الموارد التي تفتقر إليها الشركات المحلية وتقليل درجة عدم اليقين والمخاطر، ومن ثمّ حماية الشركات المحلية من وطأة المنافسة العالمية.

وتجدر الإشارة إلى أن الاستراتيجيات الحمائية لا ينبغي أن تستمر إلى الأبد، فبمجرد أن تصل الشركات إلى النقطة التي يكون فيها إنتاجها منافسًا نسبيًا، يجب على الدولة أن تعرضها للمنافسة الدولية حتى تتمكن من دعم نفسها بجودة أعلى للمنتجات.

من ناحية أخرى، لا يمكن للدولة أن تصنع من تلقاء نفسها، لأنها لا تتحكم مباشرة في آليات الاستثمار فيكون التحالف بين النخبة السياسية للدولة من جانب ومجموعات الأعمال على الجانب الآخر مهم للغاية في تحقيق الأهداف الإنمائية. 

لتحفيز مجموعات الأعمال على الاستثمار في الصناعات المرغوبة، تلاعبت الدولة في كوريا الجنوبية وتايوان بشدة بسعر الصرف وأمَّمَت جميع البنوك لتنظيم السوق المالية.

إن تدخل الدولة في نمور شرق آسيا لم يشعل النمو الصناعي السريع فحسب، بل قدم أيضًا حوافز للشركات المحلية للاستفادة من التكنولوجيا المعينة والعمالة الرخيصة لإنتاج رأس المال وتجميعه. 

لكنه لا ينبغي افتراض أن تدخل الدولة سيولد دائمًا معدلات النمو السريعة هذه. يتوقف النمو الاقتصادي على مستوى الاقتصاد الكلي بدرجة كبيرة وعلى جودة هذا التدخل.

كانت المعجزة الاقتصادية لشرق آسيا تحدياً مهماً في النصف الأخير من القرن العشرين حيث أصرّ البنك الدولي حينها على أنّ سياساتهم لا يمكن أن تنجح، وتلتها عقود وعقود من النمو المفاجئ. 

وعلى الرغم من أن هذه المعجزة ” المعجزة الاقتصادية لشرق آسيا ” هي الى حد كبير انتصاراً للرأسمالية إلا أنها توضح أيضًا أن النمو الاقتصادي يعتمد على عزل أجزاء معينة من الاقتصاد بحكمة عن قوى السوق.

كيف بدأ هذا الازدهار ؟

 انتجت المزارع مواد أساسية كافة  لدعم بعض الصناعات،فتولد رأس المال من التصنيع مما جعل المزارع أكثر كفاءة، وهكذا أدى إلى انطلاق دورة فائضة. 

أشار إلى ذلك جو ستودويل في كتاب ” كيف تعمل آسيا” إلى أنه كل واحدة من المعجزات الاقتصادية بدأت بإصلاح الأراضي الزراعية كما هو الشأن بالنسبة ل ” المعجزة الاقتصادية لشرق آسيا “.

ودائما ما تفضل الحكومات الصناعات التي تحقق نمو انتاجي طويل الأجل وتدعم التصدير. وقد حظيت دول شرق آسيا عمومًا بالثورة الخضراء. حدث شيئان بعد الاستصلاح الزراعي الذي كان انطلاقة لهذا الازدهار وكان أولهما الفائض التجاري في كل بلد والاستثمار في المعدات الرأسمالية للمرحلة الثانية، وثانيهما ارتفاع معدل الولادات. وكان تفكير صانعي السياسات في السؤال: ماذا تفعل في عام 1950 للتأكد من أن حسابات التقاعد الخاصة بالأطفال الذين يبلغون 70 عام 2020 ممتلئة قدر الإمكان؟ 

وكانت العملية على الشكل الآتي:

  1. استثمار الفائض التجاري من المواد الغذائية في الصناعات الخفيفة كالمنسوجات، فهذا النشاط التجاري يكون حلاً عندما تكون اليد العاملة الرئيسية غير ماهرة مهارةً كافيةً ( شائع للدولة الفقيرة لديها ميناء وكمية قليلة رأس المال).
  2. استثمار الفائض التجاري من الصناعات الخفيفة في الصناعات الثقيلة في البداية: الصلب والمواد الكيميائية الأساسية، وفي النهاية الآلات الثقيلة والسيارات والمواد الكيميائية المتخصصة والإلكترونيات.
  3. دفع الصناعات الثقيلة بقوة للتصدير وبيع المنتجات التي يمكن أن تتنافس على الصعيد العالمي، حتى لو فرضت ضريبة على السكان لدعم المصدرين.
  4. إجبار الناس على توفير نسبة عالية من ناتجهم الهامشي (أي إن مستويات المعيشة يمكن أن ترتفع، ولكن ينبغي أن يرتفع أقل بكثير من الناتج المحلي الإجمالي) ؛ توجيه هذه الأموال إلى الصناعات.
  5. بمجرد أن تصبح الرائد في مجال الصناعة يمكنك الاسترخاء، ولكن قليلاً فقط فعليك القلق من قيام الآخرين بنسخ تجربتك (حصلت كوريا الجنوبية على نسخة من صناعة الصلب اليابانية وواجهت صناعة السيارات منافسة ايضاً وفقدت اليابان أيضًا تقدمها في الإلكترونيات لصالح الصين).

وتجدر الاشارة أن هذا التقدم لم يحدث بسبب السياسات الاقتصادية وحسب، بل استطاع قادة السياسات كسب ثقة مجتمعاتهم التجارية بأن استثماراتهم لن تصادر، استطاعوا إقناع السكان على نطاق واسع بأن تضحياتهم قصيرة الأجل ستكافأ في المستقبل.

 في ظل التنوع الغني لتجارب التصنيع في حقبة ما بعد الحرب، يبرز نمور شرق آسيا كدروس للنجاح الاستثنائي نظراً للدور الأساسي للدولة في تحفيز التنمية، وعزز هذا التقدم مكانتهم في التسلسل الهرمي الاقتصادي العالمي. وأدى النجاح الهائل في شرق آسيا إلى إعادة التفكير بشكل كبير في اقتصاديات التنمية .