قصة موسى عليه السلام

قصة موسى عليه السلام

يرجع نسب موسى عليه السلام إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وُلد في وقتٍ تمادى فيه فرعون بظلمه وفساده وبالأخص ظلمه لبني إسرائيل، وقد زاد ظلمه عندما أخبره كاهن عن ولادة مولود في بني إسرائيل يُنهي ملك فرعون، ممّا أدّى إلى غضب فرعون وذبح أطفال بني إسرائيل واستحياء نسائهم، وفي ظل تلك المعانة جاء المخاض لأم موسى، فكتمت أمر ولادته خوفاً عليه من القتل، فألهمها الله أن تضع الرضيع في صندوق وتُلقيه في النهر عسى أن يقع في أيدٍ أمينة، فانتهى به المطاف إلى قصر فرعون، وما أن رأته زوجة فرعون حتى جعل الله محبته في قلبها، وقالت لا تقتلوه نريد أن نأخذه ولداً لنا، وأردت أنّ تُرضعه فأحضرت له المُرضعات، ولكنّ الله حرم عليه المراضع فلم يقبل بأي واحدةٍ منهنّ، حتى جاءت أخته فقالت لهم: (أنا أدلّكم على من يُرضعه لكم)، وطلبت من أمّه أن تأتي لترضعه، فردّه الله إلى أمّه وقرّت عينها به.

خروج موسى من مصر

نشأ موسى عليه السلام في قصر فرعون حتى بلغ أشدّه، وفي أحد الأيام وبينما هو يمشي في السوق، إذ بمشاجرة تقع بين رجل من بني إسرائيل ورجل من قوم فرعون، فاستغاثه الذي من بني اسرائيل، فأجابه موسى فضرب الفرعونيّ ضربة فقتله، ثمّ توارى موسى عليه السلام عن الأنظار وندم واستغفر على ما فعله، وفي تلك الأثناء بدأ البحث عن قاتل الفرعونيّ، فخاف موسى عليه السلام، وبعد بضعة أيّام جاء رجل من آل فرعون مسرعاً إلى موسى وأخبره أنّ فرعون وملأه يتآمرون لقتله، فما لبث أن خرج مسرعاً هارباً منهم حتى وصل إلى مدين، فجلس تحت شجرة ينظر إلى بئر قريب فرأى أنّ الرّعاة يسقون، وعلى مقربة من البئر تنتظر فتاتان حتى يفرغ الرعاة، فقام وسقى لهما ثمّ عاد وجلس تحت الشجرة، وبينما هو على تلك الحال جاءته إحداهما ويبدو عليها الحياء فقالت له إنّ أباها يدعوه، فأجاب موسى عليه السلام الدعوة، فلمّا جلس إلى أبيها الشيخ الكبير عرض عليه أن يستأجره ثمانية سنوات مقابل أن يزوّجه إحدى ابنتيه، فوافق موسى عليه السلام وتزوّج، فقضى عشر سنين عنده ثمّ مضى.

العودة إلى فرعون

بينما كان موسى عليه السلام في الصحراء رأى ناراً فتوجّه نحوها ليأتي ببعضها، فناداه الله تعالى ليكلّمه، قال الله تعالى: (فَلَمّا أَتاها نودِيَ يا موسى*إِنّي أَنا رَبُّكَ فَاخلَع نَعلَيكَ إِنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى*وَأَنَا اختَرتُكَ فَاستَمِع لِما يوحى)، ثم سأله الله عن الذي بيده، فأجاب بأمان وأُنس بالله عزّ وجلّ بأنّها عصاته ثمّ أضاف بأنّه يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فأمره الله بإلقائها فتحوّلت العصا إلى أفعى، ثمّ أمره أن يأخذها فإذا هي عصا من جديد، وأمره الله تعالى أيضاً أن يضمّ يده إلى إبطه ثمّ يُخرجها لتخرج بيضاء من غير برص ولا بهاق، ثمّ أمره بالذهاب الى الطاغية فرعون ودعوته، وعرض المعجزات عليه، وقبل أن يذهب موسى عليه السلام طلب من الله أن يُرسل معه أخاه هارون ليُسانده في مواجهة فرعون.

مواجهة فرعون

بعد أن كلّف الله تعالى موسى عليه السلام بالرسالة وأيّدهُ بالمعجزات وبأخيه هارون، ذهب إلى فرعون ودعاه للإيمان بالله وإخلاص العبادة له، فما كان من فرعون إلّا أنّ كذّبهم واتّهمهم بالسّحر، ثمّ دعاهم إلى المبارزة على أعين الناس يوم العيد، فوافق موسى عليه السلام، وبدأ فرعون بجمع قوّته وكيده فأرسل إلى السّحرة في جميع أنحاء مصر ليأتوه ويشاركوا في معركته، فما لبثوا حتى جاؤوه وقالوا له نُريد أجراً إن انتصرنا على موسى وهارون، فوعدهم بالمال والجاه إذا انتصروا، ثمّ جاء اليوم المُنتظر، فوقف موسى عليه السلام وسط الجموع الغفيرة ثمّ طلب من فرعون حجّته، فألقى السحرة حبالهم، وعصيهم وفعلوا سحراً عظيماً أرهب الحاضرين، ولكن سرعان ما تلاشى سحرهم وبطل كيدهم لمّا ألقى موسى عليه السلام عصاه التي تحوّلت إلى أفعى عظيمة تبتلع سحرهم بأمر الله تعالى، وعندها عَلِم السحرة أنّ ذلك ليس بسحر وإنّما هو الحقّ من عند الله تعالى فخرّوا سُجّداً وآمنوا بالله، فغضب فرعون لِما أصابه من الهزيمة ولم تبقى له حُجّة بعد إسلام السّحرة، فلجأ إلى القوّة والتهديد بقتل السّحرة الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية، والصبر في سبيل الحقّ.

هلاك فرعون

صبر موسى عليه السلام مع من آمن معه على بطش وعتو فرعون وظلمه، وتوجّه إلى ربه بالدعاء الصادق، قال الله تعالى على لسان نبيه: (وَقالَ موسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيتَ فِرعَونَ وَمَلَأَهُ زينَةً وَأَموالًا فِي الحَياةِ الدُّنيا رَبَّنا لِيُضِلّوا عَن سَبيلِكَ رَبَّنَا اطمِس عَلى أَموالِهِم وَاشدُد عَلى قُلوبِهِم فَلا يُؤمِنوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الأَليمَ)، فاستجاب الله سبحانه لدعاء نبيه، وأوحى إليه بالخروج مع من آمن معه من أرض مصر، ولحق فرعون بهم مع جنوده، وأدركهم حين شروق الشمس، وتواجه الفريقان، فأوحى الله لنبيه أن يضرب البحر بعصاه ليتحوّل إلى يابس، فتجاوزه موسى ومن معه، وأراد فرعون أن يلحق بهم، إلّا أنّ الله تعالى أغرقه مع جنوده، قال تعالى: (وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ*ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ*إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)، وأراد فرعون الإيمان حين أدركه الغرق، وندم على ما بدر منه، إلّا أنّ توبته لم تُنجيه، قال الله سبحانه: (قالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلـهَ إِلَّا الَّذي آمَنَت بِهِ بَنو إِسرائيلَ وَأَنا مِنَ المُسلِمينَ*آلآنَ وَقَد عَصَيتَ قَبلُ وَكُنتَ مِنَ المُفسِدينَ).

قصة بئر زمزم

قصة بئر زمزم

عندما وصل سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى مكّة المكرّمة كانت صحراء قاحله لا ماء فيها، ولا شجر، ولا بشر، فترك إبراهيم عليه السلام زوجته هاجر وابنه إسماعيل عليه السلام، ثمّ مضى فقالت له هاجر: (يا إبراهيم إلى أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي لا أنس فيه ولا شيء؟)، فلم يُجبها، فأعادت عليه السؤال، فلم يلتفت إليها، ثمّ أعادت السؤال مرراً، ولكنّه لم يلتفت إليها، فقالت: (آلله أمرك بهذا؟) فقال:نعم، فقالت: إذن لا يضيعنا، ثمّ رجعت، وذهب إبراهيم ليكمل دعوته بأمر من الله تعالى، فتوجّه لله تعالى بالدعاء، قال الله تعالى: ( رَبَّنا إِنّي أَسكَنتُ مِن ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيرِ ذي زَرعٍ عِندَ بَيتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجعَل أَفئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهوي إِلَيهِم وَارزُقهُم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُم يَشكُرونَ).

وما هي إلّا ساعات حتى نفد الماء، واشتدّ الكرب على هاجر، وبدأ إسماعيل عليه السلام يبكي بكاءً شديداً من شدّة الجوع والعطش، وهي تصعد إلى جبل الصفا تبحث عن مغيثٍ ثمّ تعود إليه كلّما سمعت صوته، فبينما هم على تلك الحالة وقد بلغت هاجر الجهد، سمعت صوتاً، وجاءهم الفرج من الله تعالى بأن أرسل إليهم جبريل عليه السلام، فضرب برجله الأرض، فانفجرت منها عين ماء عظيمة سُمّيت زمزم، وجعلت هاجر تحوضه، أي تجعل الماء مثل الحوض، فشربت هي وإسماعيل عليهما السلام حتى شبعا، وقد قال رسول الله: (يرحمُ اللهُ أم إسماعيلَ، لو كانت تركت زمزمَ -أو قال: لو لم تغرف من الماءِ- لكانت زمزمُ عيناً معيناً)، ثمّ بقيت ماء زمزم على ما هي عليه، حتى ولي مكّة قبيلة جُرهم، وكان بينهم وبين قبيلة خُزاعة قتال، فلمّا انتصرت خزاعة عليهم، أخرجوا جرهم من مكة، ولكنّهم قبل أن يخرجوا دفنوا بئر زمزم ومحوا أثرها، فبقيت مدفونة إلى زمن محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

حفر بئر زمزم

بينما كان عبد المطلب جدّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نائماً عند الكعبة في أحد الأيام، رأى في المنام أنّه يُؤمر بحفر زمزم، فأخبر قريش بذلك، فقالوا له: هل دلّك على مكانه؟ فقال: لا، فقالوا له: ارجع ونام، لو كانت رؤيا من الله فستعلم مكانه، فرجع ونام، فأتاه نفس الصوت في المنام مرّةً أخرى، وقال له: (احفر زمزم إنّك إن حفرتها لن تندم، وهي تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبداً ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم مثل نعام حافل لم يقسم، وينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثاً وعقداً محكم، ليست كبعض ما قد تعلم، وهي بين الفرث والدم)، فسأله عبد المطلب: أين هي؟ فقال له: (عند قرية النمل عند نقر الغراب غداً)، فلمّا أصبح عبد المطلب أخذ ابنه الوحيد الحارث ومعوله، وذهب ليبحث عن الأوصاف، فوجد قرية النمل بين وثنين من أوثان قريش، وهما: إساف، ونائلة، وكان ذلك الموقع الذي تنحر فيه قريش القرابين، وبينما هو واقف هناك، إذ بغرابٍ ينقر عند المكان، فتأكّد عبد المطلب من صحة الوصف وعلم أنّه أمر من الله تعالى بحفر زمزم. فلمّا همّ بالحفر، اجتمعت عليه قريش وقالوا: لا نتركك تحفر مكان النحر، ولكنّ عبد المطلب كان عازماً على ذلك، وقال لابنه الحارث: (ذُد عني، فوالله لأمضين لما أُمرت به)، فلمّا علموا أنّه لن يتراجع عن ذلك تركوه، فحفر قليلاً وإذ بالماء يتدفّق، فقال: الله أكبر، وعلم أنّه قد وجد المكان الصحيح، فلمّا استمرّ بالحفر وجد أسيافاً، وغزالتين من ذهب، ودروعاً كانت قبيلة جُرهم قد دفنتها قبل أن تُنفى من مكة، فسارعت قريش إلى عبد المطلب، وطالبوه بأن يجعل لهم نصيباً ممّا وجد، ولكنّه رفض ذلك، وقال لهم: تعالوا إلى أمرٍ منصف لي ولكم، فقالوا: وما هو؟ فكان رأيه أن يُضرب عليها بالقداح عند هُبل، ويجعل للكعبة قدحين، وله قدحين، ولقريش قدحين، فوافقوه على ذلك، واجتمعوا عند هُبل، وهو أكبر أصنامهم، ثمّ ضرب صاحب القداح، فكانت الغزالتين للكعبة، والأسياف لعبد المطلب، ولم يكن لقريش شيء، فجعل عبد المطلب الأسياف والغزالتين للكعبة، فكانت أول ذهبٍ تُكسى به الكعبة المشرفة، وجعل ماء زمزم سُقيا للحجيج.

قصة عبدالله بن عمر

قصة عبدالله بن عمر

هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يُكنّى بأبي عبد الرحمن، وُلِد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بعامين لزينب بنت مظعون الجمحية رضي الله عنه وعنها، قيل إنّه أسلم قبل أبيه، والصحيح أنّه أسلم معه وهو صغير ولكنه هاجر قبله، لم يشهد غزوة بدر لأنه كان صغيراً حينها، واختُلِف في كونه شهد غزوة أحد أم لا لصغره أيضاً، إلا أنّه شهد غزوة الخندق بالاتفاق، كان رضي الله عنه شديد الحرص على ملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان يتابعه في كل حركة وسكنة، فيصلّي معه أينما صلّى، ويرافقه أينما ذهب، وكان حريصاً على اجتناب الفتن وعدم الدخول فيها.أكثر عبد الله بن عمر رضي الله عنه من رواية الحديث لملازمته الرسول صلى الله عليه وسلم، وبلغ بذلك المرتبة الثانية في أكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان بعد أبي هريرة في ذلك، وقد روى ما يقارب 2630 حديث، وكان كثير التصدق والإنفاق في سبيل الله، فقد يُخرِج في المجلس الواحد ثلاثين ألفاً من الدراهم، ولم يكن يجلس على مائدته للطعام إلا ومعه يتيم يشاركه فيها، شارك في بيعة الرضوان، وكان فقيهاً كريماً طيب القلب، توفي رضي الله عنه وله ثلاثة عشر ابناً، وكان عمره حين وفاته أربعة وثمانون عاماً، وقيل ستّة وثمانون عاماً، وهو آخر من توفي من الصحابة رضي الله عنهم في مكة، وذلك سنة ثلاث وسبعين أو أربع وسبعين للهجرة.

مواقف من حياة عبد الله بن عمر

كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه حريصاً على محاكاة أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتقليدها، حتى إنّه رأى ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم مرّة تدور دورتين قبل أن ينزل عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم صلّى عليه الصلاة والسلام ركعتين، فكان عبد الله بن عمر لا يبلغ ذلك المكان الذي رأى فيه فعل الناقة ذاك إلا ويدور بناقته، ثمّ ينزل فيصلّي لله ركعتين، ورأى مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل تحت شجرة، فظلّ يتعاهد تلك الشجرة بالسقاية والرعاية خشية أن تموت أو تيبس، وقد قالت فيه السيدة عائشة رضي الله عنها: (ما كان أحد يتبع آثار النبيّ في منازله كما كان يتبعه ابن عمر). رأى عبد الله بن عمر رضي لله عنه مرّةً أنّه يلبس بيده قطعةً من إستبرق، تذهب به حيث شاء من الجنة، ثمّ جاء اثنان يريدان أن يأخذاه إلى النار. فصار يقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فلمّا استيقظ أخبر أخته حفصة بذلك، وقصّت هي تلك الرؤيا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (نِعمَ الرَّجلُ عبدُ اللهِ لو كان يُصلِّي منَ اللَّيلِ فيكثر) .

ومنذ ذلك اليوم ظلّ ابن عمر يقوم الليل في حِلّه وترحاله حتى توفّاه الله تبارك وتعالى، وقد كان رضي الله عنه شديد الورع حتّى إنّه رفض تولّي القضاء في عهد عثمان بن عفّان، وظلّ مُصرّاً على موقفه، فلما سأله عثمان بن عفان رضي الله عنه عن سبب رفضه، قال: إنّه قد سمع أن القضاة على ثلاثة أنواع، واحد يقضي بالهوى وهو في النار، والآخر يقضي بالجهل وهذا أيضاً في النار، والأخير يجتهد ويصيب، وهذا ليس له أجر وليس عليه وزر، فأعفاه عثمان حينها. وقد ورد في زُهد عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنّ صديقاً له أهداه مرّةً وعاءً مملوءاً فسأله ابن عمر عمّا فيه، فقال له: إنّه دواء يهضم الطعام، فضحك حينها ابن عمر، وقال له: إنّني لم أشبع من الطعام منذ أربعين عاماً أبداً، وقد كان رضي الله عنه يزهد في الدنيا خشية أن يكون ممّن قال الله تعالى فيهم في القرآن الكريم: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا)، وقد دخل ميمون بن مهران مرّةً إلى بيت ابن عمر، فثمّن كل ما في بيته من لحف وفراش وبساط، فلم يجده يساوي مئة درهم.

قصة سيدنا لوط

قصة سيدنا لوط

قصة لوط عليه السلام

ورد في كُتب التاريخ أنّ نسب لوط عليه السلام هو: لوط بن هارون بن تارح وتارح هو آزر، ولوط عليه السلام هو ابن أخ إبراهيم عليه السلام، وذُكِر اسم لوط أكثر من خمسٍ وعشرين مرّةٍ في القرآن الكريم، كما ذُكرت تفاصيل مواقفه مع قومه مراراً، وقصة لوط بدأت حينما أرسله الله تعالى إلى قومه ليعلّمهم توحيد الله وترك الفاحشة التي كانت ظاهرة في قومه ومنتشرة كثيراً، لكنّ قوم لوط لم يستجيبوا لأمره ولم ينتهوا عن فعلهم القبيح الذي كانوا يأتونه، حيث هدّدوه بالإخراج من قريتهم، ولم يكن مسوّغ ذلك إلّا طهارته، ونقائه، وتوحيده، وصرّحوا له بذلك، حيث قال الله تعالى: (أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)، وفي ذلك تمادٍ واضح وفسق وتكبّر، إذْ لم يكتفوا بتبجّحهم بالفاحشة، بل إنّهم كرهوا من يدعوهم إلى الطهر وأعمال الفطرة، ثمّ تحدّوا نبيهم لوطاً عليه السلام أن يحلّ بهم العذاب الذي توعّدهم به في حال كفرهم واستمرار ذنوبهم، قال الله تعالى: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، وحينئذٍ دعا لوط عليه السلام الله تعالى أن ينصره وينصر دعوته على الكافرين.

ضيوف إبراهيم وقوم لوط

بعد أن دعا لوط عليه السلام بالنصرة من الله تعالى؛ أرسل الله ملائكته جبريل وإسرافيل ووميكائيل عليهم السلام، ليُوقعوا العذاب على الكافرين، حيث مرّوا الملائكة أولاً على قرية إبراهيم عليه السلام قبل أن يذهبوا إلى لوط، حيث بشّروا إبراهيم بولده إسحاق وولد ولده يعقوب عليهم السلام، وأخبروا إبراهيم أنّهم أتوا ليوقعوا العذاب في قرى قوم لوط، فخاف إبراهيم واهتمّ لذلك الخبر، وجادل الملائكة خشيةً على ابن أخيه لوط، فطمأنته الملائكة أنّ الله سينجي لوطاً عليه السلام، وسيهلك باقي القوم، ومن بينهم زوجة لوط؛ لأنّها لم تتّبع رسالة زوجها التي أرسله بها الله تعالى. توجّهت الملائكة بعد ذهبت إلى إبراهيم إلى قرى قوم لوط، واستأذنوا لوطاً ليدخلوا بيته، ففرح لوط في ضيوفه وأدخلهم، لكنّه خشي أن يفضحه قومه إذا رأوا الرجال، وخاصّةً أنّ الملائكة كانوا على هيئة رجالٍ في منتهى الجمال، وحصل ما خشيه لوط؛ إذ أخبرتهم زوجة لوط بوجود رجال عند زوجها، فلمّا سمع القوم الخبر ذهبوا مُسرعين يفاوضون لوطاً ليدخلوا على ضيوفه، فحاول لوط إقناعهم وثنيهم عن ذلك، إلّا أنّهم رفضوا الاستماع له، حيث قال الله تعالى: (وَجاءَهُ قَومُهُ يُهرَعونَ إِلَيهِ وَمِن قَبلُ كانوا يَعمَلونَ السَّيِّئَاتِ قالَ يا قَومِ هـؤُلاءِ بَناتي هُنَّ أَطهَرُ لَكُم فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخزونِ في ضَيفي أَلَيسَ مِنكُم رَجُلٌ رَشيدٌ*قالوا لَقَد عَلِمتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعلَمُ ما نُريدُ)، فلمّا رأت الملائكة الكرب الذي حلّ بلوط عليه السلام وهو يحاول إقناع قومه، أخبروه بأنّهم ملائكة، ولن يستطيع أحد إيذائهم.

عذاب قوم لوط

بعد أن أخبرت الملائكة لوطاً عليه السلام أنّهم ملائكة مُرسلون من ربّ العالمين، وأنّهم أُرسلوا ليهلكوا القوم الكافرين، وطلبوا منه أن يخرج مع أهله من القرية ليلاً؛ لأنّ العذاب سيحلّ على قومه صباحاً، وطلبوا منه وممّن معه ألّا يلتفتوا إلى خلفهم لينظروا إلى عذاب الكافرين، فتجهّز ومَن آمن معه وخرجوا في طريقهم، ورُوي أنّ جبريل عليه السلام قَلَبَ قرى قوم لوط بريشةٍ من جناحه، وقيل: إنّ قرى قوم لوط كانت أربع أو خمس قرى، حيث قدّر ساكنيها بأربعمئةِ ألفٍ، حيث سمع أهل السماء نباح كلابهم وأصواتهم عند حلول العذاب بهم، فصار عاليها سافلها، وأُرسل عليهم صيحةً ومطراً من الحجارة تتبع بعضها بعضاً، وقيل: إنّ كلّ حجر مكتوب عليه اسم الرجل الذي سيقتله، وكانت زوجة لوط قد خرجت معه أيضاً، إلّا أنّها عندما بدأ العذاب يحلّ بالكافرين سمعت أصواتهم وصراخهم فالتفتت تصرخ واقوماه، قال الله تعالى عن عذابهم: (وَكَذلِكَ أَخذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ القُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخذَهُ أَليمٌ شَديدٌ).

قصة قوم نوح عليه السلام

قصة قوم نوح عليه السلام

قوم نوح عليه السلام

عكف قوم نوح على عبادة الأوثان والأصنام، واتّخذوا منها آلهةً يرجعون إليها في كل مطالبهم، فكانوا يرجون منها الخير، ويطلبون منها دفع الشرّ، فعبدوها من دون الله، ولمّا بعث الله نوحاً عليه السلام إلى قومه كانت وظيفته أن ينذرهم بعذاب الله إذا ما استمرّوا في عبادة تلك الأصنام، وتمادوا في الضّلال والفجور، لكنّهم كذّبوه، وعارضوه، واحتقروه، ورموه بالجنون والسّفاهة، حتّى أوحى له الله سبحانه وتعالى أنّه لن يُؤمن به من قومه غير من آمنوا، حينها دعا نوح عليه السّلام الله أن يُهلكهم، فاستجاب الله دعوة نبيّه، وجاء الأمر السماويّ بأنّ عقوبة قوم نوح ستكون بالطوفان العظيم، وأنجى الله نوحاً والذين آمنوا معه، فما قصّة قوم نوح منذ البداية وقبل أن يُرسَل إليهم نوح بالنبوّة والرّسالة؟

هلاك قوم نوح

بعد صبر نوح على قومه، وثباته على دعوة قومه رغم صدودهم وتعذيبهم له، أوحى الله تعالى له أنّه لن يُؤمن من القوم غير من آمنوا معه، ولمّا أيقن سيّدنا نوح أنّه مهما فعل فلن يستجيب غير من آمنوا، دعا نوحٌ ربه أن يُعجِّل بعذابهم، وأن يُهلكهم ولا يترك منهم أحداً لا يؤمن بالله، حتّى لا يُضلّوا أحداً بعدهم، قال تعالى على لسان نوح: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا*إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)، فاستجاب له ربّه، وأمره أن يصنع السفينة، فعاقبهم الله تعالى بما كذَّبوا بأن أرسل الماء مطراً، وفجَّر الأرض ينابيع، وارتفعت الأمواج حتى غُمِرت الأرض بالمياه، ولم ينجُ منهم إلا من كان مع نوح في السفينة التي صنعها بأمر الله. أمّا السفينة التي صنعها نوح عليه السّلام بأمر ربّه.

فقد حمل فيها كلّ من آمن بالله تعالى، كما حمل فيها أزواجاً من كلّ شيءٍ حيٍّ على وجه الأرض من حيوان ونبات وطير؛ ليستمرّ نسلها ولا تنقرض مع الطوفان، وقد كان فيمن كفر بنوح عليه السلام أحد أبنائه وإحدى زوجاته، فغرقوا فيمن غرق، وشفقةً من نوح عليه السلام على ابنه فقد سأل الله أن يُنجيَه من الغرق فهو من أهله فكان جواب الله له أنّه ليس من أهله ما دام على الكفر، قال تعالى: (وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ*قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، وبعد أن هلك جميع من كفر بنوح غرقاً، أمر الله السماء فتوقف المطر عن الانهمار، وأمر الأرض فابتلعت الينابيع مياهها، ورست السفينة على جبل الجوديّ بمن فيها ممّن آمن مع نوح.

قصة مريم العذراء

قصة مريم العذراء

بقيت مريم العذراء عابدةً زاهدةً معتزلةً أهلها في مكان من جهة الشرق، وكان المكان معزولاً عن الناس بحجاب أو حاجز كما قال الله تعالى: (وَاذكُر فِي الكِتابِ مَريَمَ إِذِ انتَبَذَت مِن أَهلِها مَكانًا شَرقِيًّا*فَاتَّخَذَت مِن دونِهِم حِجابًا فَأَرسَلنا إِلَيها روحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا)، وبينما هي على تلك الحالة أرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام فتشكّل على هيئة رجل ثمّ دخل عليها، فخافت خوفاً شديداً، وتفاجئت ثمّ قالت له قبل أي سؤال أعوذ بالله منك، فلا تقربني إن كنت تخشى من الله وتتقيه، فأجابها جبريل عليه السلام وطمأنها بأنّه مبعوث من الله عزّ وجلّ ولا يريد بها السوء ولكنّه أتى ليرزقها غلام بأمر الله، حيث قال الله تعالى: (قالَت إِنّي أَعوذُ بِالرَّحمنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا*قالَ إِنَّما أَنا رَسولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا)، فتعجّبت الطاهرة العفيفة العابدة الزاهدة نذر أمّها الذي تقبّله الله بقبول حَسن، وقالت: كيف يكون لي ولد ولم يسبق لي الزواج من إنسان ولم أكن لأفعل الزنا، فبشّرها بأنّ الولد سيُخلق من غير أب ليكون آية للنّاس على قدرة الله عزّ وجلّ، كما قال الله تعالى في سورة مريم: ( قالَت أَنّى يَكونُ لي غُلامٌ وَلَم يَمسَسني بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيًّا*قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحمَةً مِنّا وَكانَ أَمرًا مَقضِيًّا).

ثمّ نفخ جبريل عليه السلام في فمها، وقيل في جيب درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها فحملته، فلمّا حملته اعتزلت قومها وذهبت إلى مكان بعيد في أقصى القرية، حتى جاء موعد الولادة فلجأت إلى جذع نخلة، وفي هذه الأثناء اختلطت مشاعر حبّ الله والإيمان به والخوف من اتهامها في دينها وطهارتها في وجدان مريم عليها السلام، فتمنّت الموت قبل الولادة، ثمّ بعث الله عزّ وجلّ بمعجزة تُخلّد ذكرها إلى يوم القيامة، فتكلّم عيسى عليه السلام مع أمه بأن لا تحزن حيث جعله الله عظيماً من عظماء الدنيا، وقال لها بأن تهزّ جذع النخلة لينزل عليها رطباً لتأكل منها، وقال لها أيضاً بأنّها لا تتكلم إذا قابلت قومها، قال الله تعالى: (فَأَجاءَهَا المَخاضُ إِلى جِذعِ النَّخلَةِ قالَت يا لَيتَني مِتُّ قَبلَ هـذا وَكُنتُ نَسيًا مَنسِيًّا*فَناداها مِن تَحتِها أَلّا تَحزَني قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا).

ولادة مريم العذراء

كانت أم مريم العذراء وهي حنة ابنة فاقوذ بن قتيل عاقراً فرأت ذات يومٍ طائراً يطعم فراخه، فتذكّرت الولد ورغبت نفسها به، فسألت الله عزّ وجلّ أن يهبها الولد، فحملت حنة ثمّ ما لبث عمران أن توفّي ونذرت ما في بطنها محرّراً لله، أي متفرّغاً لعبادة الله وخدمة الكنيسة، ولا ينتفع من أعمال الدنيا بشيء، فلمّا ولدت كان المولود أنثى، وكان ذلك العمل يختصّ بالغلمان، وقد لا تصلح الأنثى لهذا العمل لما يصيبها من الحيض والنفاس، كما أنهّا أضعف من الرجل، ثمّ دعت الله عزّ وجلّ أن يحفظها ويحفظ ذريتها من الشيطان الرجيم، فاستجاب الله لها، وحفظ مريم وابنها عيسى عليهما السلام من الشيطان الرجيم، كما قال الله تعالى في سورة آل عمران: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

ثمّ حملتها أمّها إلى الرهبان للوفاء بنذرها وتكون مريم خادمة للكنيسة، فاختلفوا فيما بينهم على رعايتها وقالوا بأنّها ابنة إمامنا عمران، ثمّ اتفقوا على القُرعة فيما بينهم فألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في النهر، فتمّت القرعة إلى زكريا بأمر الله، فنشأت مريم عليها السلام في محراب زكريا، وكان زكريا إذا دخل المحراب وجد عندها فاكهة في غير موسمها.

مريم الصديقية

الصّديق على وزن فعيل وهي صيغة مبالغة من الصادق، أو كثير الصدق، والصّديقون هم أتباع الرسل الذين اتّبعوهم ولم يغيّروا ذلك حتى لحقوا بهم، والصديقية مرتبة عظيمة عند الله عزّ وجلّ وهي المرتبة التي تأتي بعد مرتبة النبوة مباشرةً، ومن الذين أنعم الله عليهم واصطفاهم لهذه المنزلة مريم بنت عمران، حيث قال الله تعالى: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)، ولا تُنال مرتبة الصديقية إلّا بصدق الأقوال والأفعال والجوارح، بالإضافة إلى الإخلاص في النيّة والانقياد لله تعالى بإقامة أوامره والابتعاد عن نواهيه.

قصة قوم عاد

قصة قوم عاد

قصة قوم عاد سكن قوم عاد في اليمن وتحديداً في الأحقاف وهو جبل الرمل، حيث متّعهم الله سبحانه قوّةٍ في الأبدان، وبسط لهم في المال الشيء الكثير، حتى أصبحوا أصحاب قوّة ماديّة وبدنيّة، حيث كانوا أصحاب أكبر قوّة عسكريّة في زمانهم، وكانت لهم الخِلافة في الأرض من بعد قوم نوح عليه السلام، وحينما دعاهم هود -عليه السلام- أخبرهم بأنّ قوّتهم لن تغنيَ عنهم من الله شيئاً، فقال الله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)، وذكر الله -تعالى- في كتابه صور قوّتهم وعمرانهم في عدّة آياتٍ؛ منها قول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ*إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ*الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ)، وقال: (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ*وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)، وقال أيضاً: (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ)، حيث كانت قوّة قوم عاد لا تضاهيها أي قوّة في ذلك الزمان.

وامتازوا أيضاً بمتاع الحياة الذي انتشر بسبب الرخاء والقوة والقدرة، وكذلك تربية المواشي، وبناء المصانع والعمران، والشعور بالحضارة العظيمة والسيطرة على جميع مناحي الحياة، حيث كان كلّ ذلك ابتلاءً لهم؛ ليعلم الله تعالى من يُرجع الفضل والقوّة إليه، ومن يغترّ بعظمته وقدرته وينسب ذلك إلى نفسه. أُرسل هود عليه السلام إلى قومه برسالة التوحيد لله تعالى، وداعياً لهم بشكر النعم وردّ فضلها إلى الله، وقال العلماء إنّ هوداً عليه السلام لم يذكر له معجزة في القرآن، إلا أنّ معجزته قد تكون ظهوره بين قومه، متحدّياً لهم، حيث قال الله تعالى في هود عليه السلام: (فَكيدوني جَميعًا ثُمَّ لا تُنظِرونِ)

فرغم كلّ القوّة التي كانت عند قوم عاد إلّا أنّه لم يستطع أحد أن يؤذي هود عليه السلام بأي بسوء بالرغم من أنّه كان منفرداً يواجه قوماً بأكمله، وقال العالم الألوسي في تفسير ذلك: أيّاً ما كان فذاك من أعظم المعجزات، وبناءً على ذلك فهود -عليه السلام- كان منفرداً بين جمع من العتاة الجبابرة العطاش إلى إراقة دمه، وقد خاطبهم بتوحيد الله تعالى وحقّرهم وآلهتهم وهيّجهم على ما هيّجهم، فلم يستطيعوا مباشرة شيء ممّا كلّفوه، وظهر عجزهم عن ذلك ظهوراً بيّناً.

كفر قوم عاد

لم يستجب قوم عاد لأمر نبيّهم هود عليه السلام، بل بادروه بالاتهامات والشتائم والاستهزاء، فقال الله تعالى: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)،فكان ذلك من سوء أدبهم مع الله -تعالى- ونبيّه الكريم، ورُوي أنّ قوم عاد كانوا أوّل من عبد الأصنام بعد قوم نوح عليه السلام، فقد مكثت الأرض عشرة قرون بين آدم ونوح -عليهما السلام- على توحيد الله تعالى، ثمّ جاء قوم نوح فعبدوا الأصنام فأهلكهم الله جميعاً، وأبقى المؤمنين الموحّدين، ثمّ جاء قوم عاد بعبادة الأصنام، وتبجّحوا بذلك، وسخروا من نبيّهم الذي دعاهم إلى التوحيد وترك الشرك بالله، حيث قابل هود عليه السلام التكذيب والاستهزاء بالإحسان واللين في الدعوة، والعمل على تذكير وإرشاد قومه إلى طريق الهداية؛ لأنّ الصبر والاحتساب من سمات الرسل عليهم السلام، قال الله تعالى: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً).

هلاك قوم عاد

إنّ عقوبة الله تعالى تكون للظالمين بما يناسب ظلمهم وإعراضهم عن دعوة نبيّهم، فقد كان قوم عاد قوماً جبّارين وأقوياء، وأصحاب بسطة في العمران والأبدان، وبعد أن كفروا بنعم الله -تعالى- عليهم عذّبهم الله بسبب ذلك، حيث قال الله تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً)، وكانت عاقبة أمرهم بأن سلّط الله عليهم الريح، قال الله تعالى: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ*فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ)،فكان هلاك كلّ قوّتهم وعظمتهم بأبسط الأشياء وأضعفها، وهو الهواء الذي يتنفسونه ولا يكادون يكترثون به ويشعرون به، حيث سُلّط عليهم الريح الذي استمرّ ثمانية أيام، حتى اقتُلعت بيوتهم وحصونهم، فكان الواحد منهم يُرفع إلى السماء ثمّ يسقط أرضاً، فينكسر رأسه، وقد حملت الرّيح بعضهم فألقته في البحر، فلم يبق أي أحد من الكفار والجاحدين بالله تعالى، قال الله تعالى: (فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ)

قصة الخضر مع سيدنا موسى

قصة الخضر مع سيدنا موسى

لمّا رجع موسى عليه السلام وجد رجلاً حوله عشب أخضر فسلّم عليه وعرّف عن نفسه، فعرفه الخضر وقال له بأنّه موسى بني إسرائيل، وأنّ الله تعالى آتاه علماً لا ينبغي تعليمه وهو التوراة، وأنّ الله آتى الخضر علماً لا ينبغي لموسى أن يعلمه، ثمّ نظر إلى البحر وإذ بطائر أخذ القليل من الماء بمنقاره، فقال الخضر: وما علمي ولا علمك بالنسبة لعلم الله إلّا كما أخذ هذا الطائر من البحر، فبادره موسى عليه السلام بطلب العلم عنده، فقال له الخضر بإنّه لن يستطيع أن يصبر، وقال ذلك لأنّه يعلم أنّ موسى عليه السلام لا يسكت عن الإنكار على مخالفة الشرع لأنّه معصوم، ولكنّ موسى تعهّد له بألّا يعصي له أمراً، وألّا يسأله عن شيء يفعله حتى يُفسّره له، فوافق الخضر على ذلك، وبدأت الرحلة وعندما أرادوا أن يعبروا البحر ركبوا في السفينة، فجعل الخضر فيها ثُقباً ووضع فيه وتداً، فغضب موسى وقال للخضر بأنّه سيكون أول الهالكين لأنّه أراد هلاك الناس في السفينة، فذكّره فتاه يوشع بالعهد الذي قطعه فتذكّر ثمّ قال له الخضر ألم أقل لك إنّك لن تصبر على رفقتي، فاعتذر منه وقال لا تلمني بما قلت.

وما أن وصلوا إلى الساحل حتى وجدوا مجموعة من الفتيان يلعبون فأخذ الخضر أحدهم فقتله، فغضب موسى عليه السلام وقال له أقتلت نفس بريئةً من دون ذنب، إنّ هذا لأمر فظيع، فذكّره الخضر بالعهد وقال له ألم أقل لك أنّك لن تصبر على ما أفعل، فاعتذر منه موسى عليه السلام وطلب منه فرصةً أخيرةً وقال له إن سألتك عن شيء بعدها فلا ترافقني، ثمّ تابعوا رحلتهم حتى دخلوا على قرية مسّ أهلها الجوع والتعب فطلبوا من أهلها بعض الطعام فلم يطعموهم شيئاً، ثمّ وجدوا جداراً لأحد البيوت قارب على الانهيار، فأقامه الخضر فتعجّب موسى عليه السلام من ذلك وقال له لو أنّك أخذت منهم أجر عملك لكان خيراً لك، فقال له الخضر سنفترق وسأخبرك بتفسير الأعمال التي لم تصبر عليها.

حيث إنّ السفينة كانت لأناس مساكين يعملون في البحر وكان هناك مَلك ظالم يأخذ أفضل السفن ويترك السفن التي فيها عيب أو نقص فلمّا رأى الثقب الذي صنعته تركها لهم، وأمّا قتل الغلام لأنّه كافر وسيُتعب والديه بكفره وعناده وكبره وضرر موته على والديه أقل مفسدةً ممّا سيفعله بهما لو كان حياً وسيبدلهما الله بولد مؤمن يُدخل السرور على قلبيهما، وأمّا الجدار الذي في القرية فتحته كنز لولدين يتيمين كان أبوهما مؤمناً، فأراد الله أن يبقى الكنز تحت الجدار القديم ولا ينهار حتى يبلغا سنّ الرشد.

قصة عيسى عليه السلام

قصة عيسى عليه السلام

مولد عيسى عليه السلام

كانت مريم عليها السلام أمّ عيسى منقطعةً عن أهلها وقومها، تعبد الله تعالى حين جاءها جبريل عليه السلام على هيئةِ رجلٍ فدخل عليها، فخافت منه مريم عليها السلام فطمأنها وأخبرها أنّه لن يمسّها بسوء، ثمّ بشّرها بأنّها ستحمل في بطنها نبيّاً من أنبياء الله، ومرّت أشهر الحمل يسيرةً على مريم حتى جاء موعد الوضع، وذكر الله تعالى حالها عند الوضع، فقال: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)، ولم تتأخّر رحمة الله تعالى لها فأُذن لعيسى عليه السلام أن ينطق لحظة مولده لُيطمئنها، حيث قال الله تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا*وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا*فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)، فكانت هذه هي المرة الأولى التي ينطق فيها عيسى عليه السلام في مهده.

ذهبت مريم عليها السلام إلى قومها تحمل ابنها بين يديها، فأنكر عليها القوم ذلك واتهمومها بالبغاء لعلمهم أنّها لم تكن متزوّجة، ولأنّ مريم كانت صائمةً لله تعالى عن الكلام، فلم تُجبهم بل أشارت إلى طفلها، فأنطق الله عيسى بن مريم مرّةً أخرى مدافعاً عن أمّه ومطمئناً لها، فقال: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا*وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا*وَبَرًّا بِوَالِدَتِي).

معجزات عيسى قبل نبوّته

تمثّلت المعجزات بأصل الحمل أوّلاً، ثمّ بظروف ولادة مريم عليها السلام، وفيما يأتي بيان ذلك: معجزة عيسى لحظة ولادته؛ حيث كانت ولادته بحدّ ذاتها معجزةً دون أب، كذلك فإنّ نداء عيسى عليه السلام لوالدته لحظة مولده ليطمئنها ويؤنسها كان معجزةً كذلك، حيث ورد في الآية الكريمة: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا)، أي الرطب الصالح للأكل، وفي ذلك معجزة أيضاً، إذ قيل إنّ الوقت كان شتاء، وقيل إنّ النخلة كانت يابسةً لا رطب فيها. معجزة عيسى عليه السلام بالحديث إلى قومه وهو رضيعاً؛ فحينما ذهبت مريم عليها السلام تحمل ابنها وهي صائمة عن الكلام، فتسائلوا من أين أتى الطفل ومريم ليست متزوجة، فأشارت مريم إليه دون أن تتكلّم، فأنطق الله عيسى -عليه السلام- ليخبر قومه بأنّه نبيّ الله.

معجزات عيسى بعد نبوته

تعدّدت المعجزات التي أيّد الله تعالى بها نبيّه عيسى عليه السلام، وقد ذكرت في القرآن الكريم في مواضع عدّة، منها قول الله تعالى: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، ومعجزات عيسى على النحو الآتي: التشكيل من الطين كهيئة الطير والنفخ فيه ليتحوّل إلى طائر يطير بإذن الله. شفاء الأكمه والأبرص بإذن الله. إحياء الموتى بإذن الله. إخبار الناس بما يخفون في بيوتهم بإذن الله.

إنّ عيسى عليه السلام بُعث في زمنٍ شهد تطوّر الطب وانتشار الأطباء، فكانت معجزة نبيّهم حول نفس اختصاصهم، فبالرّغم من حداثة العلم والطب حينذاك، إلّا أنّه لم يستطع أحد أن يشفي الأكمه والأبرص، أو أن يحيي ميّتاً إلّا بإذن الله سبحانه، وكان من مُعجزاته أيضاً أنّه أُنزل عليه وعلى من آمن معه مائدةً من السماء، فبعد أن أُمر الحواريون بصيام ثلاثين يوماً تقرّباً لله تعالى، وبعد أن التزموا هذا الأمر سألوا عيسى عليه السلام أن ينزل الله تعالى عليهم مائدة فطرهم من السماء لتكون عيداً لهم وفرحةً تبهج قلوبهم بعد أداء هذه العبادة، وتكون لاطمئنان قلوبهم وزيادة اليقين عندهم، فخاف عيسى عليه السلام ألّا يؤودّوا شكرها، فألحّوا عليه الطلب، فتوجّه عيسى عليه السلام إلى مصلّاه داعياً سائلاً الله تعالى أن ينزّل لهم المائدة، قال الله تعالى: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ). فاستجاب الله -تعالى- دعوة عيسى وأنزل على الحواريين مائدةً من السّماء كما سألوه.