نظرية الفوضى: علم اللّا متوقع

نظرية الفوضى: علم اللّا متوقع

لقد طرح الإنسان أسئلة كثيرة على مر العصور، والتي شكَلت نقطة الانطلاق نحو تقصّي الظواهر الغامضة في هذا الكون وفهم مشكلاته، وقادتنا الإجابة على بعض هذه الأسئلة إلى الكثير من الاكتشافات، و من أبرز هذه الأسئلة: كيف يعمل هذا الكون، و هل هناك قوة تتحكم بعمله؟ و هل هذا الكون منظم أم فوضوي؟

ويحاول الكاتب الصحفيّ “James Gleick” في كتابه العلميّ ) نظرية الفوضى ، علم اللّامتوقّع (الإجابة عن الأسئلة السابقة، وعلى الرغم من صبغة الكتابِ العلميّة، لكنّ ” Gleick ” قد عمدَ إلى إضفاء صبغة روائية مميزة ‘لأجل الحدّ من رتابة الموضوع، وكي يشعر القارئ كأنّه يعمل في أحد المراكز البحثية، ويزامل أبرز العلماء، وليس هذا فحسب، بل من المرجّح أن يشارك القارئ في توقّع نتائج الأبحاث التي يُعدّها أولئك العلماء، إذ تهدف إلى توقّع نتيجة سلوك معيّن.

يحدّثنا الكاتب عن عالم الفيزياء النظرية “Mitchell Feigenbaum  ” العامل في مختبر “لوس آلموس الوطني” حيث صنعت أوّل قنبلة ذرية، والذي لم يعد بإنجاز شيء ما، فما الذي كان يشغل تفكير ” Feigenbaum ” إلى هذا الحد؟

نجد هنا أنَّ ” Feigenbaum ” قد صنّف صعوبة حلّ المسائل إلى ثلاث درجات: 1 -واضحة 2 -ليست واضحة 3- عميقة، وكان يعمل حقيقة على مسألة عميقة أسماها “الفوضى chaos”، والتي يبدأ نطاق عملها من الحدود التي يتوقّف عندها العلم التقليدي.

ولكن، ما الذي نقصده بنظرية الفوضى ؟

تعنى نظرية الفوضى بدراسة ظاهرة الاضطراب التي تنتشر في أرجاء الكون وعلى المقاييس كافّة، مثل اضطراب النهر، وحركة أمواج البحر، والزلازل والبراكين، وتقلّبات الأنواع الحية وأعدادها، فهي علم لأجل دراسة العمليات المتحرّكة أكثر من الحالات الثابتة، علم ما قد يتحقّق وما قد يكون.

فهل نجح أحد بمعرفة سرّ الفوضى؟ وهل من وجود للانتظام وسط بحر الفوضى؟

تعنى نظرية الفوضى بدراسة ظاهرة الاضطراب التي تنتشر في أرجاء الكون وعلى المقاييس كافّة، مثل اضطراب النهر، وحركة أمواج البحر، والزلازل والبراكين، وتقلّبات الأنواع الحية وأعدادها، فهي علم لأجل دراسة العمليات المتحرّكة أكثر من الحالات الثابتة، علم ما قد يتحقّق وما قد يكون.

فهل نجح أحد بمعرفة سرّ الفوضى؟ وهل من وجود للانتظام وسط بحر الفوضى هذا؟

سعت نظرية الفوضى إلى وضع معادلات بسيطة لشرح الظواهر الكبرى، ويسرد الكاتب عدة قصص عن علماء درسوا الظاهرة، وقد ابتدأتْ بتجربة العالم “لورنز” لمحاكاة الطقس وتوقّعه باستخدام أحد البرامج الحاسوبية، وبعد عدة محاولات مخفقة توصّل إلى وجود نمط طقس متكرّر يعاود الظهور وإن على نحو مختلف قليلا عبر مراحل زمنية مستقلّة.

وتوصّل “لورنز” إلى ظاهرة تنصّ على أنّ حدوث تغيّرات بسيطة في المعطيات الأولية تفضي إلى نتائج هائلة عند الحساب النهائي أيضا، وسميّت الظاهرة “الاعتماد الحسّاس على المعطيات الأوّلية”، واشتهرت باسم أثر جناح الفراشة، فما الذي يدرينا؟! إذ قد تتسبّب رفرفة جناحي فراشة في البرازيل في إثارة عاصفة في نيو يورك، وببساطة، قد تؤدّي التغييرات البسيطة في نظام ما إلى نتائج مهولة.

وجد “لورنز” أنّ التقلبات تكرّر نفسها ولكن على نحو مختلف، إذ يوجد نمط ولكنّه مضطرب، ومن السهل نسبيا توقّع المنحى الذي ستتخذه ظاهرة ما بعد فترة قصيرة، ويصعب ذلك التوقّع مع تقدّم الوقت، ومردّ ذلك يعود إلى تراكم الأخطاء وتضاعفها، والتي تنتج عن صعوبة صوغ معادلات تعبّر عن وقائع معينة كالجوع أو المرض.

وهكذا نجد أنّ بداية نظرية الفوضى كانت في أحد أعداد مجلة الغلاف الجوي، وليست في مجلة رياضية أو فيزيائية، وهو ما قد يعدّ في حدّ ذاته نوعاً من الفوضى، إذ تعبر النظرية الحدود الفاصلة بين الاختصاصات العلمية المختلفة معاكسة التوجّه نحو تجزئة العلوم.

كوتلر يتحدث عن التسويق

كوتلر يتحدث عن التسويق

يتحدث المؤلِّف (فيليب كوتلر) -وهو بروفيسور في التسويق الدولي، ويُعدُّ من أهم المراجع في مجال الاستراتيجيات التسويقية- عن أهمية التسويق بأشكاله كلها، وعن التخطيط الذي يؤثِّر في عملية التسويق قبل  البيع وبعده، وهناك أكثر من ستِّ طرق لتكون رائدًا في أعمالك:

  1. أن تكون جودة المبيعات هي الطريق الأول إلى الربح.
  2. أن تكون ذكيًّا كفايةً لتربح عن طريق تقديم خدمات أفضل باستمرار.
  3. أن تُنافس السوق في الأسعار، فيكون لك بذلك النصيب الأكبر من سوق المنافسين.
  4. أن تكون مبدعًا في ابتداع الخدمات التي يحتاجها العملاء فعلًا.
  5. ألا تكون منسيًّا، فتذكِّر الجميع بخدماتك عن طريق التسويق المستمر.
  6. أن تستبق توقُّعات العميل فتكون الرابح الأكبر في السوق.

يقول كوتلر:

أنَّ الشركة لا تكون منافسةً إذا قامت بالاستراتيجيات نفسها؛ إذ يجب أن يكون لديها نقاط اختلاف قوية، فتجعل الناس يميلون إليها فضلًا عن غيرها.

إضافةً إلى أنَّ أعظم أساتذة التسويق متَّفقون على أنَّ أي تسويق مهما يكن، سيواجه تحديات، بالإضافة إلى أنَّ العملاء لديهم حساسية تجاه السعر دائمًا؛ لذلك يجب دراسة الأمر دراسةً مُلِمَّة بالتفاصيل كلها، ويجب يؤخذ في الحسبان أنَّ التسويق ليس البيع بهدف التسويق، بل أن يُجعل البيع شيئًا فائضًا واكتشاف الاحتياجات التي لم تُلبَّ بعد.

ويجيب هذا الكتاب على سؤالك : كيف تسوِّق تسويقًا مُربحًا؟

فلا يكفي أن يكون لديك ربح سنوي حتى تبدأ، بل يجب أن يكون لديك قاعدة تسويقية واستراتيجية متينة تبني عليها مشروعك التجاري، ولايكفي أن تُنفق كثيرًا من المال على التسويق لخدماتك، بينما أنت لاتُحصِّل من إيرادات هذه المبالغ؛ لأنَّ التسويق بهذه الطريقة يكون عشوائيًّا.

ويجب أن يكون التسويق بقوة البيع وبطريقة مدروسة تُراعي احتياجات العملاء وعقليتهم؛ فالشركات القوية مثلًا تُكرِّس جهدها لنيل رضا عملائها، فتكون إدارتها العليا على اتصال مُنتظم مع كبار عملائها، فاستراتيجية العميل الدائم تؤكِّد استمرارية النجاح.

ويُفصِّل كوتلر الخطوات الرئيسة في عملية إدارة التسويق ابتداءً من البحث ومرورًا بالتجزئة والتقسيم والاستهداف وتثبيت صورة المُنتج في ذهن العملاء، وانتهاءً بالتنفيذ والرقابة الدائمة التي تُمثِّل تقييم النتائج بحسب الخطة الموضوعة، ولا ننسى أن نضع في الحسبان أنَّ الهدف هو تحقيق أمنيات العميل ورغباته دائمًا.

وحتى تجد الشركة فرصتها في السوق يجب عليها:

أن تُعيِّن شخصًا على درجة عالية من الاحتراف ليكون مدير أفكار الشركة.

تكوين لجنة مختصَّة من رجل علمي ومهندس وآخرين في قسم الإنتاج والمبيعات.

تخصيص رقم هاتف مجاني لأيِّ شخص يريد إرسال فكرة جديدة.

وضع برامج مكافآت لتطوير الشركة.

والهدف المباشر من كل ذلك أن تجعل العملاء يميلون إلى خدمتك أكثر من منافسيك.

يُنهي (كوتلر) كتابه بالترويج الذي يُعدُّ تنفيذًا لخطة التسويق؛ إذ يعتمد على الدعاية والإعلان وترويج المبيعات اعتمادًا كبيرًا مباشرةً، وتعيين فريق مبيعات مُتخصِّص، ويؤكد أنَّ لكل زمان طريقة تسويق خاصة به، فيجب أن يؤخذ التسويق الإلكتروني المهم جدًّا في الحسبان في عصرنا الحديث وبعد عام 2005 خصوصًا؛ إذ غيَّرت أغلب الشركات خططها التسويقية لتراعي أنَّ العملاء قد أصبحوا موجودين على الهاتف والكومبيوتر، وأنَّ التسويق الإلكتروني من أهم العوامل التي يمكن الاعتماد عليها بشرط وضع خطة صحيحة ودقيقة تراعي ما تحدَّث عنه جميعه سابقًا، فوظيفة التسويق في النهاية هي تحويل الاحتياجات الاجتماعية إلى فرص مُربحة.

ويُعنى بالذكر أنَّ (كوتلر) من مواليد1931 من شيكاغو، وهو بروفيسور في التسويق الدولي من أي & جي جوهانسون، وأنَّه قد أنجز الماجستير من جامعة شيكاغو والدكتوراه من معهد ماستشوتس للتقنية، ودرس بعد الدكتوراه عِلم الرياضيات في جامعة هارفارد والعلوم السلوكية في شيكاغو.

رواية (الشمس في يوم غائم)

رواية (الشمس في يوم غائم)

يُعدُّ الكاتب (حنا مينه) صاحب رواية ( الشمس في يوم غائم ) من أهم الكتَّاب السوريين، وقد وُلِد في اللاذقية عام 1924، وكان له مساهمةٌ واضحة في تأسيس اتحاد كتَّاب العرب، وعمل في الإذاعة كاتبًا للمسلسلات الإذاعية ثم انتقل إلى كتابة المقالات والقصص القصيرة ونشرها في الصحف، وأصبح له ما يزيد عن 30 رواية طويلة تنتمي إلى الأدب الواقعي لاحقًا.

وكان للكاتب (مينه) ملهمةٌ واحدةٌ يستقي منها ملامح رواياته في معظمها، وكانت تُشكل منارةً لأحداث كتبه وشخوصها وهي (مدينة اللاذقية) ببحرها وشواطئها وطبيعتها التي امتد تأثيرها إلى نفس (مينه) ومنها إلى رواياته وشخصياته.

وتُعدُّ رواية ( الشمس في يوم غائم ) من أولى رواياته المُستقاة من الساحل حيث وُلِد وترعرع، ويحكي فيها على لسان البطل الشاب البالغ من العمر ثمانية عشر عامًا تخبطه أمام خيارات العالم المفتوحة كأي شاب في هذا العمر؛ فعلى سبيل المثال اختار هذا الشاب سابقًا العزف على الكمان في البداية، ولكنَّ ذلك لم يلقَ الحظ الجيِّد ولا الأذن الموسيقية بحسب مُدرِّس الموسيقا، فأخذ ينتقل من آلة إلى أخرى دون جدوى حقيقية.

ولكونه ينتمي إلى أسرة غنية وذات سلطة، فكان لعدم مثابرته والتزامه ولطبعه الثوري المتجدد صدىً غير مرغوب لدى عائلته. 

ولم تكن الآلات وحدها ما مرَّ عليها الواحدة تلو الأخرى، وإنَّما المعلمين أيضًا، فمن معلم الموسيقا الإيطالي مرورًا بالحلاق الذي ادَّعى أنَّ الإيطالي “آكل المعكرونة” محتالٌ ولا يفقه في الموسيقا شيئًا، انتهاءً بالخيَّاط الذي فهم مشكلة الشاب بصورة تامة استمرت طيلة رحلته في تعلُّم الموسيقا. وحده الخياط استطاع استيعاب طبع الشاب النزق في التعلُّم، إضافةً إلى أنه لم يكن ما يجمعهما درسًا بالمفهوم العام، وإنَّما حديثًا إذا زارهم الملل ووقعًا بالأقدام إذا استبدَّ بهم الحماس ورقصًا بالخنجر بوصفه استعراضًا أخَّاذًا أمام الجيران والتلاميذ الآخرين للخيَّاط.

“أنت ماهر في الرقص يا ولدي، وجسمك رشيق مطواع، وفي داخلك شيء يريد أن يخرج، كأنه النقمة أو الغضب، مع أنك لا تشكو شيئًا، وعائلتك غنية، وكل ما تريده موفور، ولست على خلاف مع أهلك”.

وهكذا يبدأ الأمر، كرغبة في تعلم رقص الخنجر تلتقي موهبةً متأصلة في جسد الشاب، وكان الخيَّاط قد أخبر الشاب بقصة حدثت منذ آلاف السنين في معبد يحتوي على  صورة وفتى عَشِق هذه الصورة في إحدى صلواته لأمه المريضة، فأعادته رغبةٌ برؤية الصورة ليلًا إلى المعبد، وعلى ضوء السراج سمع نغمًا مميزًا، وراح يرقص ويدور أمام الصورة، فاستحالت امرأةً حقيقية خرجت منها للتو. ورمى الفتى نفسه عليها محاولًا إمساكها وتقبيلها فاصطدم بالجدار وانقطع اللحن ولم يبقَ سوى الفتى وسراجه في ساحة المعبد، ولكنَّه لم يصدق أنَّ ما رآه كان وهمًا، وإنَّما أخذ بالرقص والدوران أمام الصورة المنقوشة على الجدار وأقام في المعبد، وقيل إنَّه جُنَّ فقيَّدوه بالسلاسل، ثم مات وحلَّت روحه في أبدان الراقصين من جيل إلى جيل.

وقد تبدو هذه القصة إحدى الأساطير، ولكنَّ ما اختبره الشاب أثبت العكس، ففي إحدى المرات بدأ بالرقص واستهلَّ الرقصةَ بالدق برجله اليسرى والدوران في الغرفة والجمهور أمامه يصفق بشدة، وإذ بابتسامة ساحرة تُحييه فحياها برقصته المفعمة بالحياة، ومن ثم فإنَّ الابتسامة انتمت لوجه وجسد حيَّين أمامه ما إن انتهى من الرقصة بإيقاعها الأخير الحماسي حتى اختفى، ليصبح محمومًا بروح الراقص الأول أمام امرأة الوهم.

“أن نعزف أو نغني أو نرقص للاشيء، فهذا زيف..لا بد أن يكون ثمة شيء، إنسان ما، فكرة ما، وعندئذ يكون للعزف أو الغناء أو الرقص معنى. أن نعيش للاشيء، هكذا لأجل العيش، لأجل تمضية الأيام، فهذا هو الموت”.

ولكنَّ (مينه) لم يقدِّم قصةً رومانسية في روايته وحسب، وإنَّما قدَّم قصة ثورة؛ ثورة الشاب على عائلته ذات السلطة في السراي، وصهره رئيس القلم، ورقصة التانغو وكأنه برقصة الخنجر تحت يد الخيَّاط يمارس حريته بحركاته السريعة راسمًا دوائر من نار في الهواء في مواجهة قيود عائلته وصورة جده المعلَّقة في الصالة، وكما لطريق الثورة شوكٌ قد يدمي أرجل الثوَّار، فللحب طريقٌ وعر لا نجاة لجميع من يخوضه أيضًا. 

وتظهر امرأة من خلف أبواب القبو تحت منزل الخيَّاط يلفُّها الغموض ويثير فضول الشاب الذي يجد منفذًا للوصول إليها ومعرفة عملها وظروف حياتها ومن ثم علاقتها بعائلته وبوالده تحديدًا.

وبعدها يجد الشاب نفسه أمام حبِّه للمرأة الوهم ورغبته في المرأة التي تسكن القبو وتعاطفه مع ابنة عمه المغرمة به، وفي مواجهة والده بعد منعه من الذهاب إلى جانب المدينة الفقير.

“ولكني أنا  لم أقتل، والدي قتل، وذلك الوكيل قتل، والذين على الطرف الآخر، في القلاع، قتلوا، وبينهم وبين الذين هنا غور فيه دم. أنا اجتزت غور الدم، رقصت بالخنجر عند الخيَّاط”.

ونلاحظ أنَّ اسم للشخصيات، فهناك الشاب والخيَّاط وضابط الإيقاع وأخت الشاب وخطيبها وغيرهم، وكأنَّهم شموسٌ غائبة خلف الضباب، ووحدها ملامحهم الجامحة وتواصلهم الملحمي ما يعطي الرواية شكلها ومضمونها.

“يا شمسنا الموعودة، يا شمسنا الموعودة، متى تشرقين إذن؟ وهذا الغيم، وهذا الضباب، رمل الصحراء الذي ارتفع مع إعصار الزمن، متى يغسله المطر؟ متى تحدث العاصفة ويغسلنا المطر؟” 

رواية (سمراويت)

رواية (سمراويت)

تُعدُّ ( سمراويت ) الرواية الأولى لكاتبها (حجي جابر)، وقد فازت الرواية بجائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2012، وله من بعدها روايات عدَّة؛ مثل (مرسى فاطمة) و(لعبة المغزل) و(رغوة سوداء) التي فازت بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2019، وقد دخلت في القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية في العام نفسه.

وتحكي الرواية عن (عُمَر)؛ الصحفي الإرتري المغترب مع أهله في السعودية، وقد هربوا من إرتريا في منتصف السبعينيات؛ جرَّاء حرب إثيوبيا على إرتريا.

وتحكي رواية ( سمراويت ) عن حياته بصفته مغتربًا وعن شعوره بأنَّه نصف إنسان فيقول “في السعودية لم أعِش سعوديًّا خالصًا، ولا إرتريًّا خالصًا، كنت شيئًا بينهما، شيءٌ يملك نصف انتماء، ونصف حنين، ونصف وطنية.. ونصف انتباه”، وتظهر تلك الأنصاف التي يشعر بها بطلنا (عُمَر) -وربما كل من يعيش في بلد ويحمل جنسية بلد آخر- عندما سأل أحد الشخصيات العامة عن رأيه في قرار مَنْح الجنسية السعودية للأجانب المُقيمين فيها، فجاء ردُّه برفض ذلك القرار فجًّا وعنصريًّا تجاه الأجانب المُقيمين في السعودية، وعلى الجانب الآخر، عرف سائق السيارة الأجرة الإرتري أنَّ (عُمَر) زائر أو سائح في إرتريا عندما ذهب إلى إرتريا أول مرة على الرغم من ملامحه الإفريقية.

ومن ناحية أخرى، فقد عاش (عُمَر) في السعودية طفولةً مختلفة عن سائر الأطفال، فقد كانت أمه تصطحبه يوميًّا إلى المدارس جميعها؛ بحثًا عن مقعدٍ خالٍ له في المدرسة كي يبدأ الدراسة كالأطفال، وتفشل في إيجاد مكانٍ له؛ إذ يردُّها مدير المدرسة خائبةً بحجة اكتمال العدد، ولكنَّها وجدت ضالتها في مدرسة ليلية لمحو الأمية، فأصبح (عُمَر) يذهب إليها، ويكذب على أطفال الحي حين يلعب معهم بعد انتهاء اليوم الدراسي العادي، ويقول إنَّه يذهب إلى مدرسة صباحية كمدارسهم.

وقد كان (عُمَر) يذهب مع صديقه (أحمد) إلى بعض الحفلات التي تُقام في القنصلية الإرترية، ويحضران بعض الندوات التي تتحدث عن الشأن الإرتري سواءً في داخلها أو خارجها والتي تُقام في النادي الأدبي، فيقرر بسبب تلك الندوات السفرَ إلى إرتريا حتى يرى أحوالها بعينيه ويبني وجهة نظره الشخصية تجاه وطنه، وربما يجد نصف ذاته الضائع.

سوف نرى إرتريا في هذه الرواية بعيون الجميع، فمرَّةً نراها بعيون الحنين في كلام جدَّة (عُمَر) ووالدته عنها، ومرَّةً نراها بعيون (أحمد) المغترب المؤيد للحزب الحاكم، وبعيون (محمود) المغترب المعارض للحزب الحاكم، ونراها بعيون (سعيد) المحارب القديم الذي قرر أن يصطحب (عُمَر) و( سمراويت ) صديقته الجديدة في جولة سياحية في إرتريا كلها من العاصمة (أسمرا) إلى مدينة (مصوّع) الساحلية إلى جزيرة (دَهلك) و(قُرْقُسم) فنتجوَّل معهم في صفحات الرواية في إرتريا وكأنَّنا نراها ونعرفها، ونمشي معهم في زحام شارع (كُمشتاتو) ونرى كنيسة القديس جوزيف وكنيسة آندا مريام ومسجد الصحابة الذي تتجه قبلته إلى بيت المقدس والمخطوطات الأثرية والشواطئ الجميلة، وهنا نراها بعين السائح.

وأخيرًا، تُختم الجولة بزيارة إلى منزل الكاتب الإرتري (ناود) بعد أن قرأ روايته (رحلة الشتاء)، وقد حظوا بجلسة ممتعة مفيدة مع الكاتب الذي يفتح منزله لمحبيه جميعهم.

وبالإضافة إلى تعرُّفنا إلى إرتريا في الرواية، فإنَّنا نتعرَّف إلى بعض المعلومات التجارية عنها أيضًا؛ مثل أنَّ أول سيارة تجارية دخلت السعودية كانت من إرتريا، وأنَّ كسوة الكعبة ظلت زمنًا تأتي من إرتريا، ونعرف من الرواية أيضًا أنَّ هناك ثلاث لغات متداولة في إرتريا وهذه اللغات هي العربية والتغرية والتغرينية!

وتتناول الرواية حياة البطل في السعودية وإرتريا بالتوازي؛ فهي مقسمة إلى فصول تتبادل فيها الأماكن بين البلدين، وفي مقدمة كل فصل أبيات شعرية عذبة للشاعر السعودي (محمد الثبيتي) وللشاعر الإرتري (محمد الشيخ).

رواية (الكهف)

رواية (الكهف)

تدور أحداث رواية ( الكهف ) للكاتب جوزيه ساراماغو (José Saramago 1922-2010) في مكان وزمان غير محددين، ويعتمد المؤلِّف على ثلاث شخصيات رئيسة فحسب: (سيبريانو ألجور) وابنته (مارتا) وزوجها (مرسيال جاتشو). 

وتعمل عائلة (ألجور) على مدى ثلاثة أجيال في مهنة الخزافة بدايةً من إعداد عجينة الصلصال ثم تحويلها إلى أشكال متعددة، ومن ثم مرحلة شيِّها في الفرن وتجفيفها، وانتهاءً بتلوينها.

وتبدأ الأحداث مع انطلاق شاحنة من القرية باتجاه مركزٍ يشتري سلع الخزافة، وكان يقودها السيد (سيبريانو ألجور) في طريقه إلى تسليم طلبيات المركز من الأواني المُعدَّة من الخزف، وإلى جانبه صهره (مرسيال) الذي يعمل حارسًا على نحوٍ مؤقَّت في ذلك المركز، بالإضافة إلى أنَّ (مرسيال) يطمح إلى أن يُرقَّى، فيصبح عمله دائمًا؛ ممَّا يؤهله للحصول على منزل في المركز وحياة مستقرة، ولكنَّ ما حدث ذلك اليوم في المركز التجاري لم يكن بالحسبان، فمسؤولو المركز لم يقبلوا استلام سوى نصف الكمية التي كان يحملها السيد (ألجور)، وأُخبِر باحتمال الاستغناء عن خدماته نهائيًّا قريبًا، وكانت الحجة أنَّ ما يُنتجه من سلع لم يعد مرغوبًا به لدى الزبائن في هذا الوقت، وفي المرة التي تلتها كانت الكلمة الفصل عندما تُخلِّي عنه رسميًّا.

وهنا تعترض الأرملة اللطيفة (إساورا مادروغا) طريق (سيبريانو ألجور) وهو في حالةٍ يائسة محاولةً أن تدخل حياته كنسمة بحر منعشة وكأنَّ شرارة بينهما قد بدأت تشتعل، ولكنَّ (سيبريانو) كان يصر بأنَّه لا يشعر بشيء تجاهها، وفي الفترة ذاتها يظهر الكلب (لقية) الذي لم يلبث حتى صار فردًا رابعًا في العائلة. 

وفي هذا السياق الزمني نفسه، تتبلور علاقة ودٍّ بين (مارتا) -وهي ابنة ألجور- ووالدها تبلورًا جليًّا، وخاصةً بعد وقوع تلك المصيبة على رأسهم؛ إذ حاولت (مارتا) أن تخفِّف عن والدها عن طريق التفكير ببدائل أخرى لا تكون بعيدةً عن الصلصال والتشكيل وحياته القديمة؛ لأنَّه لا يتقن سوى هذه المهنة، ولا يمكن أن يتعلم مهنة جديدة وهو قد بلغ الرابعة والستين. وهكذا صار (ألجور) هائمًا على وجهه بين حلٍّ اقترحته ابنته بأن ينتظر قبول مسؤولي المركز ممَّا يتيح له أن يستمر في ممارسة الحياة الطبيعية في منزله الريفي أمام شجرة التوت والمشغل والمقعد الحجري والمساحات الخضراء، وبين قرار المركز الأخير الذي دفعه تجاه شعورٍ دائم من البؤس والضيق.

وهكذا، دفع (ساراماغو) شخصيات روايته لتجسِّد أسلوبًا ثوريًّا لمحاولة كسر قيود كهف أفلاطون الذي تُمثِّله حياة المدن، ودفع شخصياته إلى محاولة هروبٍ غير محدَّد الوجهة، فالمهم هو الهروب من حياة لا تشبه حياة أي إنسان يتطلع إلى الحرية والانسجام في أحضان الطبيعة؛ فلا يكون أسيرَ ما تقدمه شاشات التلفزة وما تعرضه المحال التجارية التي تجبره أن يشتري ما تعرضه دون أن يمتلك خيارًا آخر، وأن يقبل بعزلته عمَّا حوله ضمن المحاكاة التي صُنعَت بداخله، وهذا ما يحرمه من مجريات الحياة الطبيعية ومن أشعة الشمس ولفحات الهواء عند الغروب، ويحرمه من تقلبات الطقس من أمطار و رياح، فهو من جهة أخرى أشبه بسجن كبير أو بكهف.

وما يميز رواية ( الكهف ) هو الأسلوبُ المتفرد الذي يقدِّمه الروائي (ساراماغو) الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1998؛ إذ يعرض لنا شخصيات الرواية عرضًا مبسَّطًا في البداية، وسرعان ما يتعمَّق في كل شخصيةٍ مُفككًا ومُحللًا وجودها وأسلوبها وردود أفعالها في المواقف على اختلافها، ولا يقتصر هذا التحليل الذي شرَع به (ساراماغو) على البشر فحسب، بل إنَّ الكلب (لقية) كان له نصيبٌ في هذا التعمُّق، ويتجاوز ذلك بذكاء ليوجه الخطاب إلى القارئ توجيهًا مباشرًا، حين يشرح له الأسباب التي تدفع أي شخص في موقف ما للتصرف بهذه الطريقة أو تلك، ويطرح عدَّة أمثلة خارج سياق الرواية ليضمن فهم القارئ ويوصله إلى النقطة التي يبتغيها.

وقد يظن قارئ رواية ( الكهف ) عندما يسهب (ساراماغو) في توضيح فكرة ما بأنَّه ضل الطريق، ولكنَّه -وبالأسلوب ذاته- يعود مرةً أخرى بسلاسة لافتة وبقوة إلى صلب الموضوع بطريقة بارعة من المؤلِّف، ويُشدِّد (ساراماغو) على ذكر كثير من التفاصيل الحسية والمادية وإنْ سبَّبَ هذا بعض الملل وانحسار عامل التشويق عند القرَّاء، فلا يطول الأمر حتى تطغى الصورة الكاملة على هذا الملل ليكون دافعًا إلى معرفة المزيد والغرق في التفاصيل أكثر.

وتتسم هذه الرواية بسرد بطيء للأحداث على خلاف أبرز أعمال الكاتب؛ مثل (رواية العمى ( فما يطرحه (ساراماغو) في هذا العمل الروائي هو سرد التفاعل مع أحداث الرواية والمصائب التي تقع على عائلة (ألجور) سردًا مفصَّلًا إلى حدٍّ ما، ويتأنَّى في الطرح تأنيًا لافتًا ودقيقًا، ولكنَّ ما يدفع القارئ إلى أن يُكمل رحلته هو الانسجام مع هذه التفاصيل التي تجسِّد الهدوء الذي يسبق العاصفة المتخفِّية في النهاية. (

رواية (مُلتقى البَحْرَين)

رواية (مُلتقى البَحْرَين)

يُعدُّ الشاعر والكاتب الفلسطيني الأردني (د. وليد سيف ) صاحب رواية ( ملتقى البحرين ) من أبرز كُتَّاب الدراما التاريخية، وقد قدَّم في مسيرته مجموعةً من المسلسلات الدرامية المهمة، ونذكر بعضا منها: (ثلاثية الأندلس) و(التغريبة الفلسطينية) و(صلاح الدين الأيوبي) و(عروة بن الورد). 

ويُعرَف عن (د. وليد سيف) المصداقية في تناول التاريخ العربي، بالإضافة إلى أنَّه صاحب لغة أدبية عذبة وبليغة يلمسها القارئ أو المشاهد في أعماله الأدبية والدرامية كلها.

وقد صدرت له مؤخرًا رواية ( ملتقى البحرين )؛ التي تدور أحداثها في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي في ظل انقسام العالم الإسلامي إلى ممالك متفرقة، وتخص الرواية بأحداثها مملكةً من تلك الممالك التي كان يحكمها سلطانٌ يجور على العامة ويهادن عدوًّا يتربَّص بثغور البلاد، ويغير على تلك الثغور ويحتل ما يحلو له منها؛ إذ كان جيشُ البلاد ضعيفًا في العُدَّة والعتاد، ولا ينفق السلطان عليهم شيئًا، بل يكتفي بالنفقة على ملذاته الشخصية وملذات حاشيته وحسب، وهكذا حتى ثار عليه قائد الجيش مع بعض الجنود، ونجحوا في إسقاط حكمه الاستبدادي، وسرعان ما تولَّى قائد الحرس مكانه وصار هو السلطان، وحينها شرَع يسترجع الأجزاء المقتطعة من مملكته، فحاربَ حروبًا عدة جعلت العدو يعرف أنَّه أمام حاكم قوي لا يستطيع استغلاله أو تطويعه في خدمته، ولكن؛ في مقابل ذلك -وهنا يكمن جوهر العمل- بدلًا من أن يحقِّق العدل في عامة الناس، بثَّ فيهم العيون الفاسدة حتى صار الأخ لا يأمن لأخيه بأن لا يكون عينًا للسلطان، وذلك بسبب طمع كل من اشترك معه في إسقاط حكم السلطان القديم في يده من المُلْك، فكان حين يرى الطمع في أيٍّ منهم يبطش به حتى لا ينهار حكم المملكة وسطوتها على الرعية.

وهكذا حتى صار الظلم والبطش حالةً تجول في زوايا المملكة كلها وعقول سُكَّانها.

وعلى الجانب الآخر، كان هناك فتاةٌ ممَّن تعرَّضوا لبطش السلطان الجديد، فاختطفها جنوده بعد أن قتلوا أهلها وصارت سبيةً جارية في دار النخاس تنتظر من يشتريها بعد أن صار اسمها (قمر)، وصار لها من العلوم والآداب والفنون ما لا يكون للحُرَّة، فلا تحتاج الحُرَّة إتقان أيٍّ من المهارات التي تحتاجها الجارية، فالحُرَّة تتزوج بنَسَبها لا بما تتقن من العلوم والفنون على عكس الجارية التي تُباع وتُشترى، فكلما زادت المهارات التي تتقنها إحدى الجواري زاد ثمنها، ومن ثم يشتريها سيِّد من عِلْيَة القوم، وقد ذاع صيت (قمر) بين الجميع وغلا سعرها؛ نظرًا لما تتمتع به من جمال ومهارات أخرى وطلاقة لسان ومعرفة، وهذا كله دفع زوجة السلطان لتشتريها للسلطان الظالم هديةً بمناسبة انتصاره على العدو، وهنا نتساءل كيف ستتصرَّف (قمر) عند معرفتها أنَّ السلطان الذي قتل أهلها وسلَّعها في دار النِّخاس هو من اشتراها؟ هل ستهرب أم تستسلم لقدرها؟ وكيف ستتعامل مع حقدها تجاه السلطان؟ وهل ستنجح في جعل السلطان يميِّزها بين كل ما يملك من الجواري الحِسان؟

وقد كانت (قمر) تُحب مُعلِّم الشعر والأدب الذي كان ينقم على السلطان أيضًا، ويُعِدُّ رجاله للثورة عليه لتحقيق العدل الذي غاب بعد أن تأمَّل العامة عودته في ظل حكم السلطان الجديد، ولكن؛ ماذا فعل المعلم حين عرف أنَّ (قمر) قد صارت جارية للسلطان؟ وهنا نرى في عنوان الرواية ( ملتقى البحرين ) أنَّ البحرين هما السلطان والمعلم وملتقاهم في (قمر)، ورغبة تحقيق العدل مع اختلاف الطرق، فهل سيتحقق العدل على يد أيٍّ منهما؟ ومن المنتصر في النهاية؟

تحمل الرواية في طيَّاتها إسقاطات عدَّة على واقعنا المعاصر في ظل الانتفاضات التي حدثت ضد بعض الأنظمة، وما تركته في الناس من حيرة وأسئلة بلا إجابات، ونرى تلك الأسئلة والحيرة عند السلطان والمعلم و(قمر) على السواء. 

ونرى في (قمر) تجسيدًا لعامة الشعوب المغلوبة على أمرها في أثناء الانتفاضات المتقلِّبة بين حالين لا تستطيع الميل إلى أحدهما على الآخر، فلا تستطيع أن تنصر الحاكم ولا أن تنصر الثائر الذي بات يبطش مثل من ثار عليه؛ إذ قد يتسع الأمر إلى الحد الذي يختلط فيه كل شيء، فلا يُعرَف من كان على حق ومن ليس كذلك، وقد يلتبس الأمر على الثائر والحاكم أيضًا، ونرى ذلك في الأسئلة التي يطرحها المعلم على نفسه، فيقول:

“هل تاهت قدماه عن الطريق، أم أنَّ الطريق نفسه كان غدَّارًا فتغير كما تغير كُثبان الرمال مكانها بفعل الرياح التي تهب على هواها، لا على هوى الراكب الساري؟ هل أخطأ الرمي أم أنَّ الهدف الذي ظنَّه واضحًا ثابتًا شرد عنه شرود القطاة؟ هل مطلب العدل في هذه الدنيا بعيد المنال إلى هذا الحد فلا يتحقق على تمامه إلا في الآخرة أمام الديَّان؟”

رواية (بنات حواء الثلاث)

رواية (بنات حواء الثلاث)

تتناول الكاتبة (إليف شافاق- Elif Shafak) حياة الفتاة التركية (بيري) أو (ناز بيري)؛ إذ تبدأ حكاية ( بنات حواء الثلاث ) في السيارة وهي عالقة في الازدحام المروري مع ابنتها المراهقة النزقة عندما كانت (بيري) مدعوةً هي وعائلتها إلى حفل عشاء لأسرة من الطبقة المخملية، وفي ذلك اليوم تعود إليها مصادفةً ذكريات الفترة التي قضتها في مدينة أكسفورد في أثناء دراستها الجامعية مع كل ما تحمله من حوادث بشعة وذكريات جميلة إذ تتنقَّل (شافاق) في فصول الرواية بين مجريات تلك السهرة في مدينة إسطنبول وبين سيل الذكريات المنحدر من مدينة أكسفورد قبل ستة عشر عامًا، وتطال طفولة (بيري) أيضًا، وهي الأخت الصغرى لشابين يكبرانها بعدة أعوام.

والآن في إسطنبول على مائدة العشاء، تحاول (بيري) أن تنخرط في الثرثرة، ولكنَّها تجد نفسها عاجزةً عن مجاراة أحاديث النساء اللواتي انسحبن سوية لشرب الشاي بدعوة من سيدة المنزل، فتنسل من بينهم لتشارك الرجال مجلسهم وتجلس قبالة زوجها لتنخرط معهم في نقاشاتهم عن السياسة وآخر المستجدات في محاولة منها للهروب من تلك الذكريات التي بدأت تطفو على السطح في تلك الليلة تحديدًا، ولكن؛ بعد إصرار سيدة المنزل مرة أخرى لجذب (بيري) إلى مجلسها مع باقي السيدات، فتستلم لرغبتها في الوقت ذاته الذي يصل فيه “العراف” الذي دُعِيَ مسبقًا إلى مجلس السيدات، وتحاول (بيري) ألا تقع في مصيدة تنجيمه ولكنَّها تفشل حين يحاصرها ويخبرها الحرف الأول من اسم الرجل الوحيد الذي أحبته، فتشعر وكأنَّ أحد أكثر أسرارها أهميةً قد كُشِف على الرغم من أنَّ اسم زوجها يبدأ بالحرف نفسه أيضًا، ولكنَّها تعرف بأنَّ ذلك العراف يرمي إلى أبعد من ذلك، فيضيق العالم بها لتنسحب مرة أخرى إلى الشرفة، وتنفرج سريرتها في استعادة ذكريات الماضي

وصداقات الجامعة مع (شيرين) المتمردة و(منى) المؤمنة أما (بيري) فكانت المتشككة؛ التي لم تستطع أن ترسو في ميناء بين الإلحاد والإيمان، وقد زاد الاختلاف الجذري بين صديقتي السكن من ضياعها، ولم تكن نقاشاتهن تفضي إلى أي مكان أو أية نتيجة، بل كانت تزيد الشقاق ما بين (شيرين) و(منى) إلى الحد الذي جعل الحياة معهما لا تُطاق، وما كان من ذلك الخلاف إلا أن يجعلها تشعر وكأنَّها ترى والديها أمامها؛ والدتها المتدينة ووالدها العلماني، فالكاتبة في هذا المنحى تضيء الشقاق الحاد في المجتمع التركي الذي يسيطر على مختلف طبقاته بين من ينادي بالليبرالية وإطلاق الحريات ومن طالب بالالتزام بتقاليد الأجداد وعاداتهم.

وكان هناك من جهة أخرى قصةٌ غامضة مع أستاذ الجامعة (آزور)؛ التي تحولت فيما بعد إلى فضيحة، وعادت بها الحال إلى النقاشات ذاتها بين (شيرين) و(منى)، ولكن؛ تحت إشراف الأستاذ (آزور) المتخصص في تدريس مادة “الرب”.. ذلك المفهوم الذي بقيت (بيري) حائرةً تجاهه، ولكنَّ البروفيسور (آزور) كان يعتمد منهجًا مختلفًا في تدريس مادته فهو ينتقي طلابه من بيئات ومرجعيات مختلفة ويطرح موضوعًا شائكًا، ويترك لهم حرية النقاش فيما بينهم؛ ممَّا جعل (بيري) فيما بعد تشعر وكأنَّه ينظر إلى طلابه بوصفهم فئران تجارب أمام أبحاثه وأفكاره، وذلك عندما يطرح موضوعًا شائكًا، و ينتظر ردود أفعالهم وتغير علاقاتهم فيما بينهم.

ومع ذلك البحث كله والدراسة الفلسفية والقراءة الكثيرة والاجتهاد ولكنَّ (بيري) اليوم امرأةٌ متزوجة لرجل لا يشبهها وأمٌّ لثلاثة أطفال.. فما الذي حدث؟ ولماذا انقطعت علاقتها مع صديقات الدراسة؟

وتضيء الكاتبة في رواية ( بنات حواء الثلاث ) على عدة مواضيع جانبية لعائلة (بيري) عندما تتطرق إلى فترة طفولتها؛ كالاعتقال السياسي، والزواج التقليدي، وتقديس عذرية المرأة في المجتمعات المتدينة.

إنَّ (شافاق) تتمتَّع بأسلوب سردي هادئ وممتع دون أية مماطلة مُتعمدةٍ ودون إغفال شيء من الغموض والتشويق، وأكثر ما يميزها تطرُّقها إلى مواضيع شائكة وحساسة، ولكنَّها في هذا العمل الروائي لم تكن بمستوى مؤلفاتها السابقة، وذلك عندما ختمت روايتها بتوجيه رسالة واضحة شديدة الكراهية إلى جموع اللاجئين الذين تدفقوا إلى أوروبا في السنوات الأخيرة، وذلك على لسان أحد بروفسورات جامعة أكسفورد عند إلقائه خطابًا على إحدى منصات الجامعة عام 2016 يصرح فيه تصريحًا واضحًا عن امتعاضه للتغيير الديموغرافي الذي يطرأ على القارة العجوز “أوروبا هي الوطن، والمسلمون غرباء، وإنَّ الطفل البالغ من العمر خمسة أعوام يعلم بأنَّ المرء لا يدعو الغرباء إلى بيته، وإنَّ كل فرد في هذا العالم ينظر بعين الحسد إلى ثروة الغرب، ولا مناص من حمايتها من الغرباء ومن الخونة المتظاهرين بالصداقة في الداخل، والذين لا يرون في إذابة ثقافة ما، وإفساد عرق من الأعراق، وتدنيس تراث، ماهو خطأ، خطأ، خطأ”.

المساواة

المساواة

المساواة لكاتبته مي زيادة هو أكثر من مجرد كتاب لما يحمله في ثناياه من معاني عميقة . تشير في تمهيد الكتاب إلى جميع مظاهر ثورة الطبقات الدنيى على طبقة النخبة، او الأسياد او كما سمتها الكبراء..

كما اعطت وصفا سرياليا للواقع كما وجب ان يكون، “وليس جميع هؤلاء ليُسلِّ َّ مون بأن شكايتهم تُعارض نُظم الطبيعة. بل هم يتسلَّحون بالحجة والبرهان، مشريين إلى الشمس تسكب النور والحرارة على الأشرار والصالحين، ويستشهدون بالهواء يُسدي الحياة إلى الحيوان والإنسان، ولا يكون على الجماد ضنينًا، و يدلون إلى الأرض تعتش في حضنها المعادن، وتكلأ المرعى لكل ذي نسمة يرتعي، ويومئون إلى منبسطات البحار تضم ِ مختلف السمك والوحش المائي من كل فصيلة وحجم ولون، ويذكرون اللَّحد يحوي الموتى قاطبة على نمط ٍ واحد ليدفع بهم إلى الانحلال فريسةً وإلى التحول مادةً. فإذا أجزلت الطبيعة الهبات ودعت جميع بَنِيها إلى امتصاص ثديها المدرار، فأنَّى للكبرياء أن تخلق التمايز والتفاضل، وتجعل بني البشر فروقا وسدودا، فتشل عضوا لتقوي عضوا و تحرم قوما لتمتع قوما؟ [المساواة الصفحة 9،10]

الفصل الأول

في الفصل الأول من كتاب المساواة ، حاولت مي زيادة التطرق لطبقات المجتمع. و استمرت في وصفها السريالي للأمور، انطلاقا من اصل الخليقة في الميثولوجيا الهندية، و أن جميع اطياف المجتمع من اصل واحد و من طينة واحدة، و كيف أن المحارب و المزارع و التاجر و الصانع هم أبناء لشخص واحد..

و عن كيفية و بدأة تكوين الشعوب و انتشارها في قبائل يتقارب منها الجوار بتقارب الأصل، و كيفية قيادة هذه القبائل من جماعات او افراد مرتكزين على ما كانوا يسمونه بالملك، او كما نسميه في عصرنا الحالي برأس المال.. و عن نشأة فكرة الطبقية وفقا لمعاملة هؤلاء الأسياد لباقي افراد القبيلة و استرسلت قائلة ” و بديهي أن الأب كان يعامل أفراد عيلته كمعاملة زعيمه له، فإن ظلمه ظلمهم، وإن أنصفه كان لهم منصفا، وكذا تكونت الأرستقراطية في داخل الأسرة في حين كانت تتكون في الجماعة أو في الدولة […]”

الفصل الثاني و الثالث

في الفصلين الثالث و الرابع، تطرقت لمفهومي الأرستقراطية و العبودية و الرق، و كما هي العادة استهلت الفصل بنظرتها المتفردة. المستوحات من كل ما هو تاريخي او ميثولوجي، بنبرتها الساخرة التي تتورى وراء عباراتها العميقة المحملة بالكثير من الحزن. حين بدأت تعطي أمثلة، و تساؤلات كلها تصب في منحى واحد الا و هو، من اعطى الحق لهؤلاء في تنصيب انفسهم على قمة الهرم. و تصنيف الناس الى أسياد و عبيد، الى نخبة و رعاع. و امتدت في وصفها لأصول العبودية التي امتدت في وقت من الأوقات لاجتياح الشرق قاطبة، من الصين لمصر ممتدة لفارس فآشور، و لجميع اوجه العبودية في الحقول و المنازل..

الفصل الرابع الى الثامن

تطرقت فيهم الكاتبة لمجموعة من المفاهيم المجتمعية، و لعدة تيارات تتبعها المجتمعات مثل: الاشتراكية السلمية و الاشتراكية الثورية و الديمقراطية. مثل مفاهيم العدمية و الفوضوية.. و أبت إلا ان تستمر في سردها السريالي، المعتمد على التاريخ و على نفس النبرة في وصف اصل كل هذه المفاهيم، و التيارات و التساؤل ثارة و السخرية ثارة أخرى

 و في النهاية حاولت مناقشة الأمر “المساواة” من الجانب الديني و المدهبي. لكن في إطار طريقتها التي اختارت لكتابة الكتاب. و ما كان منها إلا ان تخرج لنا هذه القطعة الفنية التي إذا قرأها القارء بتجرد. لا يمكن ان يستنتج منها إلا ما قاله عمر (رضي الله عنه). “متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم امهاتهم احرارى”

من قال أن الأفيال لا تستطيع الرقص؟

من قال أن الأفيال لا تستطيع الرقص؟

في حقيقة الأمر و للوهلة الأولى عند قراءة العنوان، تظن انك على وشك قراءة قصة للأطفال لكن عند تجاوز العنوان و الدخول في صلب الكتاب.. تجد أن الكاتب لويس جيرتسنر يعطي نظرة على فلسفته في الإدارة التي انعكست على قراراته و التي بدورها مكنته من تحقيق إنجازات كبيرة جدا قفزت بشركة إي بي إم من حافة الانهيار الى النجاح.

لويس جريتسنر الذي تولى منصب المدير التنفيذي في شركة إي بي إم الشهيرة سنة 1993 الى 2002 و الذي لم يكن ذلك المدير التقليدي الذي لا يبرح مكتبه و الذي يتكلم مع موظفيه بتعالي بل على العكس تماما، كان يرى أن المدير ليس هو ذلك الشخص الذي يتقاضى اعلى راتب و الذي لا يجتمع بموظفيه إلا لإعطاء الأوامر .. المدير هو من يغادر مكتبه ليعمل وسط موظفيه، ويحفزهم ويزرع بداخلهم الثقة بالنفس و الشجاعة في اتحاذ القرار.

شخصية الموظف

كان يؤكد على أن العلميات والأهداف هي التي يجب التركيز عليها وليس السياسات، فالسياسات تقيد الموظف الى حد ما و تحد من ابداعه.. أما الموظف المقرب اليه فهو الموظف الذي يعالج الأخطاء وليس الموظف الذي يتصيدها، الموظف الشجاع الذي يخوظ مهام قد يرتعد و هو يقوم بها، الموظف الذي لا يخاف من اتخاذ القرار لان هناك اوقات لا يوجد هناك وقت لمراجعة المدير و يجب إتخاد القرار بسرعة.  وبالنسبة له فان المناصب والرواتب لا تعني له شيئاً، المساهمات التي يقدمها الموظف هي كل شئ.

شخصية المدير

كانت الشركة تمر بمرحلة عصيبة بعد ان هجرها جل الموظفين المتميزين و انتقلوا لمنافسيها المباشرين مما زاد قوتهم و زاد ضعفها لذلك لم تجد الشركة من يتحمل مسؤولية قيادتها من داخلها فكان هو ضالتهم من خارج الشركة، كان يؤكد على أن شخصية المدير يجب أن تجمع مابين مشاعر الحماس ومنطق العقل، نقص واحدة منهما يعني الفشل المؤكد. بدأ في التركيز على المشاكل التي تواجه العملاء و العمل على حلها و كانت هذه هي الإنطلاقة الحقيقية في عملية التغيير. استنادا على خلفيته في خدمة العملاء التي كانت تفوق خبرته في التكيولوجيا بمراحل.

الإدارة من الخارج /نظام الرواتب والأجور المكافآت

لاحظ لاحقا ان وكلاء التسويق كانوا يبحثون عن مصالحهم الشخصية فقت مما كان يضر الشركة بشكل مباشر لذلك حاول تغيير السياسة التسويقية و قام ببناء شراكة مع الوكلاء ترتكز على الشراكة و النتماء و النسجام.. ثم اكتشف ان الشركة ليس لها اي نشاط تسقيوي بحث كانت الشركة فقت تبيع ولا تسوق منتوجها و من تم ادخل انشطة تسويقية للاشركة التي حولت بدورها الاوضاع الى الاحسن بشكل كبير جدا. قام بتحفيز منظومة العمل الجماعي، و الجزء الأكبر من الرواتب يعتمد على العمولات والمكافآت للتحفيز على العمل الجاد وتم تحويل الجزء الأكبر من رواتب الموظفين إلى أسهم في الشركة ليرتبط العائد بأوضاع الشركة في السوق.